المقالات

نقد الديمقراطية في الدول الغربية… فرنسا أولاً

إن الديمقراطية مع كل ما حققته حول نُظم حكمها في تصاعد مستويات المساواة والحرية والعدل فيها، وتدني مستويات الجور والظلم والاستبداد، ومع تحسن سجل حقوق الإنسان في هذه النظم مقارنة بغيرها، وبحيث أصبح ذلك مبرراً حقيقياً ودافعاً قوياً لما يلاحظ من ازدياد قبولها والتطلع إلى الفوز بها من قبل شعوب العالم كافة، وبخاصة الشعوب المغلوبة على أمرها.

لكن مع كل هذا، تعرضت الديمقراطية إلى نقد كثير اتخذ أشكالا وصورا متعددة، وإذا كان يصعب حصر الانتقادات التي وجهت إلى الديمقراطية فإن ذكر بعض النماذج عنها يعطينا صورة عن اتجاه النقد في هذا الاتجاه، ونخص بالدرجة الأولى بلدين من البلدان التي تنتهج الديمقراطية كنظام للحكم.

أولاً: فرنسا

في فرنسا، كان انتصار الديمقراطية جزئياً، وذلك لأنه بعد المعارك والانقلابات التي تكون منها تاريخ فرنسا الداخلي في القرن التاسع عشر، لم تستطع الجمهورية الثالثة أن تنجح في إقامة نظام ديمقراطي مطابق من جميع النواحي لمبادئ عام «1789»، فإلى جانب المجلس المنتخب بواسطة الشعب انتخاباً مباشراً وجد «مجلس أعلى» يختار أعضاؤه بواسطة هيئات محدودة، ومع ذلك يستطيع وفقاً لأحكام الدستور نفسه أن يعطل قرارات النواب.

كذلك فإن الانتخاب النسبي لم يحقق غرضه، ثم إن تكرار التفويض «بالسلطات المطلقة» لعدد من الحكومات، أوحى بأن النظام البرلماني لا يسير سيراً طبيعياً، وأن السلطة التشريعية المنتخبة بواسطة المواطنين أخذت تنحني شيئاً فشيئاً أمام السلطة التنفيذية، ومع ذلك بقي الاقتراع العام موجوداً وأنه كان في بعض الأحيان مصدر السلطة الحقيقية.

وأكثر ما كانت الديمقراطية فيه في فرنسا موضوع انتقاد في بدايات القرن العشرين، هو التعارض بين حماية الملكية كحق طبيعي شانها شأن الحرية كما نصت على ذلك وثيقة حقوق الإنسان وبين النتيجة التي آل إليها هذا المفهوم وهي أن الحكومات لم تفعل شيئاً لتضمن لغير المالكين الحق في الملكية، وأنها أباحت لمن لا يملكون أدوات العمل استخدامها كما يشاء هواهم المطلق، وبذلك تكونت سلطة واقعية ليس للأمة عليها أي سلطان.

ورغم بعض الاجراءات للحد من الاحتكار، فإن الديمقراطية وصفت في النظام الرأسمالي الفرنسي بأنها ديمقراطية أصحاب الأعمال الكبيرة التي يسيطرون فيها على ميادين الاقتصاد المختلفة، من بنوك إلى صناعات الصلب ومناجم الفحم والنسيج والسماد والكهرباء وغير ذلك، وبذلك نشأ إقطاع جديد تولد فيه بارونات للحديد والفحم والبنوك وما إلى ذلك، وأصبح هؤلاء أصحاب السلطة الفعلية يتحكمون بموجبها في صغار الرأسماليين ومتوسطيهم، أي في المساهمين الذين أودعوا لديهم مالهم دون أن يكون لهم في الواقع أي إشراف على طريقة استخدام المال، كما أنهم يسيطرون على صغار المزارعين والمقاولين والتجار.

أخيراً، صدر في العام (1992) كتاب في فرنسا عن الديمقراطية المريضة بالكذب، وجاء فيه أن الديمقراطية كما يمارسونها في الغرب أصبحت خرافة وخدعة إذ هناك تحالف بين مؤسسة الحكم التي تمثلها جماعة تتحالف مع جماعة تكون موجودة في أجهزة الإعلام والصحافة والإذاعة والتلفزيون لصناعة الرأي العام ليصبح التمثيل النيابي الديمقراطي تمثيلاً لقوة حكم تلك الجماعة والمتحالفين معها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى