المقالات

لماذا نكتب؟

سؤال طرح آلاف المرات عبر موجز تاريخنا البشري وعالجته الكثير من الإجابات التي زاوجت ما بين الذاتي والموضوعي، لكنه مازال يثير ذلك الفضول الشقي، ويعصف بالعديد من التساؤلات التي تحفز إجابات غير ناقصة وغير كاملة، فلماذا نكتب؟ الكتابة هي مساحة لإعادة النظر في العالم من حولنا ومحاولة تفسيره للخروج بفهم أفضل لما يحصل فيه، إنها وقفة مع الزمن ومساحة للتأمل والنظر في الأشياء والأحداث بطريقة أعمق وأكثر تأملا بعد أن تعيد ترتيب الأحداث وتعيد تجميعها مرة أخرى للوصول إلى الحقيقة أو قريبا منها. اكتبْ لكي تتخيل الأشياء على نحو مختلف، وبتخّيل الأشياء بشكل مختلف، ربما يمكن للعالم أن يتغير.
الكتابة عندي هي مصير فردي، نقل للأحلام والمعاناة على الورق، تأمل وأمل، تفكيك للمسكوت عنه، وبوح مسترسل للمبحوث عنه، هو انفراجه وانكفاء، تفاعل وانطواء، مناجاة للمأمول، ورفضا للموجود، الكتابة هي سحر ذاتي، داء ودواء، عشق متبادل، وأسلوب لتفادي الأمراض العصابية والذهنية والنفسية، الكتابة فعل سام وراق يتوجب أن يسخر لكل ما هو خير، فإما أن تكون الغاية من الكتابة رسالة نبيلة تسعى لأن ترتق جرحاً، أو تسعد قلباً، أو تنير عقلاً، أو تنشر الحب والسلام.
نكتب لمحاربة الموت، لترك الأثر، للتعبير عن أحزاننا دون أن تصيبنا شفقة الآخرين، نكتب لأن ما لا نعرفه أكثر بكثير جدًا مما نعرفه، ولأن العلاقة الوطيدة التي تتكون بين أي شخص وورقة وقلم علاقة غواية أكثر منها هواية، علاقة تشبه أحيانًا علاقات العشق الصافي، وفي أوقات أخری تشبه الوقوع في شباك امرأة لعوب، نكتب لأن الكتابة هي دورة حياة، نكتب كي ندرك من خلال الكلمة قيمة الرحلة التي بدأنا فيها؛ فعلى قدر التجربة تأتي المعرفة، وعلى قدر المعرفة يأتي الوعي؛ فالكتابة حياة نثمر فيها كُلما رويناها بماء قلوبنا وملح عيوننا. إننا في حاجة مستمرة للكتابة كي نجمع شتات جنوننا ونُطمئن شرود أفكارنا ونهدئ روعة ذكرياتنا فنصبح أكثر دفئاً وعمقاً وأناقة، فالكتابة فعل حياة.
عندما سئل الأديب والكاتب التركي أورهان باموك هذا السؤال: لماذا تكتب؟ فقال: «أكتب لأن تلك رغبتي، أكتب لأنني لا أقدر على القيام بشيء آخر غير الكتابة، أكتب كي أشير أو أناقش بعض الآراء التي وردت في كتبي، أكتب لأنني غاضب منكم جميعا، من العالم كله. أكتب لأنه يروق لي أن أنزوي في غرفتي اليوم كله. أكتب لأنني لا أستطيع تحمل الحقيقة إلا وأنا أغيّرها، أكتب حتى يعرف العالم أجمع أي حياة عشنا، وأي حياة نعيش، أكتب لأنني أحب رائحة الورق والحبر، أكتب لأنني أؤمن فوق ما أؤمن به، بالآداب وبفن الرواية ومن ثم بالصحافة، أكتب لأن الكتابة عادة وشغف».
بينما يقول الروائي العظيم جوزيف كونراد، وأظن أنه وضع يده على سبب أبعد وأعمق للكتابة، في قوله: «اكتب لكي أحارب فكرة الموت الذي نولد ونحن نعرف انه ينتظرنا في نهاية الطريق أو في أي لحظة، إننا كالسجناء المحكومين بالإعدام الذين ينتظرون لحظة تنفيذ الحكم بهم، بينما تؤجل الكتابة لحظة الاعدام».
فعلا الانسان المحكوم بفترة قصيرة من الحياة يحاول أن يطيل أمد وجوده، وتأثيره، ولما كان ذلك مستحيلا من الناحية العضوية فإنه يجتهد لتمتد حياته معنويا وفكريا وروحيا عن طريق الكتابة، ويسعى بكل طاقته ليهزم الموت، ويتجاوزه، وحينما يختطف الموت بدن الانسان تظل روحه حية بشكل موجز في صندوق صغير يسمونه كتابا، أو سيمفونية، أو فيلم، أو لوحة. لم يخترع الانسان بعد شيئا أقوى من الفن والكتابة لمواصلة الحياة، ذلك أحد أقوى أسباب العمل الابداعي.
نحن نكتب لأننا ننشد المزيد من الحياة، والأهم من فعل الكتابة هو أن نتعلم كيف نقرأ وبغزارة فهو حطب الكتابة ووقودها المستعر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى