المقالات

الحل غير الدستوري ليس اختياراً

بات من الواضح أن الوضع المعقد في المشهد السياسي الكويتي لن يشهد حلولاً بسيطة تتلخص في تشكيل حكومة جديدة ومن ثم بناء تعاون حقيقي بين المجلس والحكومة، خصوصا بعد ما تكشف خلال الشهر الأول من عمر المجلس، من خلاف كبير على الأولويات بين الأغلبية النيابية والحكومة، ففي الوقت الذي تتمسك فيه الأغلبية النيابية ببعض الأولويات على اعتبار أنها أولويات الشعب الكويتي، ترفض الحكومة هذه الأولويات رفضاً قاطعاً لا مجال معه للحلول الوسط.
لقد أفرزت الانتخابات الأخيرة تركيبة نيابية أبعد ما تكون عن هوى الحكومة، ولذلك كان واضحا منذ البداية السعي الحكومي لكسر شوكة الأغلبية النيابية، وهو ما عبر عن نفسه في انتخابات رئاسة المجلس وما صاحبها، ومن ثم تقديم استجواب لرئيس الوزراء وصولا إلى استقالة الحكومة بعد أقل من شهر من تشكيلها، وفي كل الحالات سواء أعيد تشكيل الحكومة برئاسة الشيخ صباح الخالد أو برئاسة شخصية أخرى، يدرك الجميع أن الأمور متجهة إلى حل مجلس الأمة سواء عاجلا أو آجلاً، لكن السؤال يبقى، هل من الممكن أن يتم حل المجلس حلا غير دستوري؟.
كافة المؤشرات، والظروف الموضوعية الداخلية والخارجية تشير إلى استبعاد الحل غير الدستوري، فسمو الأمير عبر أكثر من مرة عن تمسكه بالدستور وبالحياة الديمقراطية، ففي كلمته التي افتتح بها دور الانعقاد التكميلي للمجلس السابق قال سموه «نؤكد اعتزازنا بدستورنا ونهجنا الديمقراطي ونفتخر بكويتنا دولة القانون والمؤسسات وحرصنا على تجسيد روح الأسرة الواحدة التي عرف بها مجتمعنا الكويتي والتزامنا بثوابتنا المبدئية الراسخة»، وفي كلمته التي افتتح بها المجلس الحالي، أكد سموه الحرص على الدستور حين قال: «أؤكد التزامنا بالديمقراطية منهجا واحترامنا للدستور مبدأ ودولة القانون والمؤسسات نظاما وحرصنا على ترشيد ممارستنا البرلمانية ولا نقول اليوم أننا في تجربة برلمانية بل ممارسة راسخة مضى عليها قرابة الستين عاما».
يضاف إلى ذلك تعقد الأوضاع الدولية والإقليمية حولنا، وهو ما يدفع الجميع إلى التمسك بالدستور، خصوصا وأن آخر حل غير دستوري حدث في العام 1986 واستمر إلى الغزو العراقي للكويت، والبعض اعتبر حل مجلس الأمة وقتها والخروج عن الدستور أحد العوامل التي شجعت على غزو البلاد، وما تعهدات الكويتيين في مؤتمر جدة إبان الغزو الا استرجاع أصيل للعمل الدستوري المتمسك بالنظام البرلماني الكويتي، كما أن الكويت مصنفة أميركياً وأوروبياً ودولياً كملكية دستورية من حيث نظام الحكم، ولذلك تخضع لمعاملة خاصة بصفتها دولة ديمقراطية، ولا يمكن المخاطرة بتغيير هذه المعايير لمجرد خلاف حكومي نيابي مهما كان حادا أو عصيا على الحل من حيث الظاهر.
كما لا يخفى على الجميع الأحداث التي جرت في أميركا مؤخرا من اقتحام لمجلسي الشيوخ والنواب على إثر الانتقال الديموقراطي للرئاسة الأميركية، والذي كان له اثر واسع في نفوس الأميركان شعبا وإدارة تمثلت بإثارة كبيرة بالتمسك بالنهج الديمقراطي والمحافظة على أهم القيم لديهم، واستنفرت جميع الأحزاب والسياسيين والقوى، الأمر الذي سيشجعهم كثيرا في منهج عملهم وعلاقاتهم الدولية في المستقبل القريب تجاه حلفائهم الدوليين لترسيخ العمل الديموقراطي والحفاظ عليه وتعزيزه وتكريسه.
لهذه الأسباب مجتمعة نستبعد الحل غير الدستوري، ونرجح أن تبقى الديمقراطية محصورة بأفق الحل الدستوري الذي سيحدث عاجلا أم آجلاً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى