المقالات

الديمقراطية الأميركية.. الحلم والتاريخ!

استعرض الكاتب «كلود جوليان» في كتابه «الحلم والتاريخ» النصوص والوثائق النظرية الأميركية التي تشير إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان وتصريحات بعض المفكرين والحكام الأميركيين، مثل قول الرئيس الراحل «جون كينيدي»: «الأميركيون هم الحراس على معاقل الحرية في العالم»، إضافة إلى أقوال الغير من كتّاب ومسؤولين في فترات مختلفة من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
ولقد أكد جوليان على أن هناك آراء متناقضة في الولايات المتحدة ترى فيها المسؤول الرئيسي والأساسي عما تعانيه الإنسانية من آلام وشرور، إضافة إلى أن هذه القناعة منتشرة وشائعة كثيراً في الولايات المتحدة وخارجها.
كثيرون قد وجهوا انتقادات إلى القادة الأميركيين سواء كانوا عسكريين أو دبلوماسيين وحتى رجال أعمال، فمثلاً يصفهم جوليان بأنهم «مجموعة الرجال الأشد خطراً وضرراً في عالم اليوم»، فهؤلاء حقيقةً هم من يمسكون بزمام السلطة الفعلية المغلفة بالطبع بشعار الديمقراطية الرائج في الولايات المتحدة.
ويلاحظ من توجيهات قادة الولايات المتحدة وأقوالهم وممارساتهم في أزمنة مختلفة من تاريخها أن هناك ثوابت في الفكر والممارسة الأميركية بالنسبة للحكم في الداخل الأميركي ومعاملتها للشعوب الأخرى، ومن هذه الثوابت:
أولاً، اعتبار المصلحة الأميركية فوق كل القيم الإنسانية والأخلاقية إذ ان من الخطأ الكبير التأكيد على أن جميع الشعوب سواسية في حقها من الديمقراطية ومن الحرية، لأنهما في الفكر السياسي الأميركي مكافأة ينبغي أن يستحقها من يبتغيها.
ثانياً، ستر الأهداف الاقتصادية والتجارية ودمجها بأهداف أخلاقية ودينية بقصد تغطيتها بحجاب شريف ومحترم لفتح طرق تجارية واحتكار تجارة أسواق جديدة.
ثالثاً، تغيير المعايير في الداخل والخارج حسب أهواء ومصلحة الولايات المتحدة.
وهكذا فإن الذين يكون لهم الحق في الديمقراطية والحرية دون غيرهم ينبغي أن يكونوا مثقفين ومواطنين حالمين وذوي جدارة، وقد أشار جوليان إلى أن التطبيق العملي لهذه القيم كان يجري بالنسبة لمن يدرج اسمه على اللوائح الانتخابية في عدد من ولايات الجنوب حيث يتم الاختيار حسب المستوى العلمي، وهكذا لم يتردد رئيس الجمهورية الأسبق ريتشارد نيكسون بالإشارة والتلميح إلى أن المثقفين من معارضي حرب فيتنام خونة، أما ذوو الفضل والجدارة فإنهم لا يتقدمون إلا بمعايير موضوعية هي الثروة والنجاح المادي.
وبالتالي إن تاريخ أميركا في النصف الثاني من القرن العشرين بالنسبة لكثير من البلدان في تفسيرها للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب مليئة بالأمثلة على تعدد المعايير.
النتيجة، إن التناقض بين الديمقراطية كنظرية ومفاهيم وبين واقعها التاريخي لم يكن في واقع الحال مقتصراً على الولايات المتحدة، بل إن هذا التناقض قائم في جميع البلدان الرأسمالية وغير الرأسمالية وكذلك الديمقراطية وغير الديمقراطية فهي كلها تتجاذبها آمالها من جهة ومصالحها القريبة من جهة معاكسة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى