المقالات

مَن يحكم الحاكم؟

توقَّعتُ ان أكتب عن الخطوات الاولى التي يمكن ان ترسم سياسة الرئيس الاميركي الجديد جو بايدن في الشرق الاوسط، لكن الخِفَّة التي أُخرِسَ بها موقع رئيس أقوى دولة في العالم على شبكات عمالقة شركات التواصل الاجتماعي، فرضتْ السؤال الأهم بعد خروج دونالد ترامب من البيت الابيض: من الذي يتحكم بآراء الناس ويشكِّلها ويحدد معايير حرية التعبير ومداها في العالم كلِّه، وأين تكمن السلطة الفعلية، ومَن يمارسها؟

صفاتٌ سلبية كثيرة تقال في ترامب: أسوأ رؤساء الولايات المتحدة الاميركية، مخبول، مغرور، متضخم الأنا، متحرش، عنصري، منعدم الثقافة، مؤذٍ، ويمكن للعرب ان يزيدوا الكثير من الصفات السيئة، لأنه كان من اشد اعداء حقوقهم، واكبر سُرَّاق اموالهم، واخطر الكذابين عليهم.

ولأنه مجنون عظمة، حرَّضَ وانتهك الدستور بما لا يليق برأس دولة، فوقع في الفخ، مهاجمة الكونغرس لحظة غباء، فورا التقطها جاك دورسي رئيس تويتر فاتصل من منتجعه في بولينزيا الفرنسية في المحيط الهادي بمكتبه في سان فرنسيسكو، وأمر بإلغاء حساب ترامب الذي يتابعه على تويتر 80 مليون شخص في الولايات المتحدة وخارجها، وحصل على 74 مليون صوت في الانتخابات التي خسرها، وما لبث ان تبعه عمالقة التواصل: فيسبوك، غوغل، أمازون، أبل، وألغوا حساباته على شبكاتهم بالحجة نفسها: تهديد امن المجتمع وسلامته!

احتلال الكونغرس عمل سيئ لا يمكن تبريره، لكن الأسوأ ان تعطي الاحتكارات العملاقة نفسها الحق، اي الآراء هي الصح فتنشرها وايها الخطأ فتمسحها، وهو حق يفترض ان يحدده القانون حصراً.

شبكات التواصل الاجتماعي صارت اكبر وسيلة عالمية لتبادل الآراء بين الناس واكثرها نفوذا عليهم، من الثرثرات الى اكبر الحملات السياسية والاعلانية، لكنها وقعت، بعد الامبراطوريات المالية والمجمع الصناعي- العسكري، في براثن الاحتكارات المعولمة العابرة للقوميات.

ان احتكار الاعلام يلغي دوره التنويري ويجعل محتكريه فوق القانون واقوى من الدولة، يتلاعبون بآراء الناس، ويصادرون حرية التعبير عن افكارهم، ويراقبونهم بدل ان يخضعوا لرقابة المجتمع والدولة. والخطر الاكبر على الحريات، عندما يجتمع ثالوث المال والسلطة والاعلام في يد حفنة ضئيلة تجعل ملكيتها له، او تحالف اطرافه، لاعباً رئيسياً في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية؟!

 لقد اظهر تويتر وسيليكون فالي عند مَن السلطة الحقيقية!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى