المقالات

توثية الرئيس

في إحدى جلسات البرلمان العراقي، دبت الفوضى واختلطت الأصوات وضاع الحابل والنابل، فصاح أحد الأعضاء منادياً رئيس الجلسة: السيد الرئيس أرجوك تضبط الجلسة، فرد عليه الرئيس سريعاً: شتريد أسوي… أضبطها بتوثية؟! والتوثية، لمن لا يعرف اللهجة العراقية ووادي الفرات في سورية، هي عصا طويلة غليظة تؤخذ عادة من شجرة التوث «التوت» لقوتها وصلابتها لذلك سميت توثية.
ويبدو أن الرئيس المطرود ترامب أراد أن يحافظ على كرسي الرئاسة بالتوثية، لكن الإرادة الأميركية الحرة كانت له بالمرصاد، فأبطلت خططه الهمجية ومنعته من تنفيذ رغباته الجنونية، وفي اعتقادي، لو أن ترامب نجح في مسعاه لأصبحت التوثية مبدأ جديداً في الحياة ووسيلة وحيدة لفرض الهيمنة والسلطة والتحكم برقاب البشر.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام: من سينقذنا من توثية الحاكم المستبد الطاغية، الذي يجند زبانيته لإرهاب مواطنيه وإسكات أصوات الحق والحرية، وخنق الدعوات الى العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، ويسلط الرعاع والهمج على مقاليد الأمور، ويسجن أصحاب الفكر ودعاة الإصلاح؟ من سينقذنا من مشايخ الدين الذين اختاروا النفاق طريقاً للثراء ورغد العيش، وانحنوا أمام الطواغيت، يصوغون لهم الفتاوى التي تبرر بطشهم، وتمجد سخافاتهم؟
من سينقذنا من علماء التطرف والإرهاب والعنصرية وكره الآخر، ممن أنشأوا جيلاً من الانتحاريين القتلة، وبثوا في البلاد بيوض الحقد والسوداوية، لتفرّخ الرعب والكوارث والدمار؟
من سينقذنا من توثية مشايخ العربان ووجهاء القبائل الذين يتصدرون المجالس في الرخاء، ويولون الأدبار في الشدائد، ويتسابقون في إظهار صنوف الولاء والطاعة والتذلل للحكام، وينفشون ريشهم عند بني قومهم الضعاف المساكين؟
من سينقذنا من توثية إعلامنا العربي المنافق، فهو إما مطبل للسلطان في الداخل، أو هارب، في الخارج، يبث سمومه وأكاذيبه وافتراءاته، وثالث الأنواع يفتح الأبواب للماجنات والتافهين، وينشئ الأجيال على مفاهيم الانحلال والميوعة، ويضع التيجان على رؤوس الساقطين؟
هل سنرى، يوماً ما، هذه الأمة وهي تأخذ مكانتها التي خصها بها الله تعالى بين الأمم، وهل سنرى لها منبراً للسيف والقلم، وهل سينتهي هذا الفصل العربي المخجل، لتعود الى جبالنا هيبتها، ولجباهنا رفعتها، ولسيوفنا بريقها بعد أن انحصر دورها في تقطيع كيكة أعياد الميلاد؟!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى