المقالات

وطن جريح آن له أن يستريح

الوطن وما أدراك ما الوطن؟ إنه معنى كبير يعجز الواصف عن وصفه، وتجف الأقلام والمحابر ولم تصل لمداه وكنهه، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة فقد نظر الى مكة المكرمة وطنه وموطن آبائئه وأجداده وقد أجبره قومه على الخروج منها، فالتفت إليها وهو واقف بالحزورة في سوق مكة وقال: ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك «رواه الترمذي وصححه» وكان عبدالرحمن الداخل قد هرب من مطاردة العباسيين له فدخل الأندلس وكون دولة اموية ثانية تجاوز عمرها الثلاثة قرون ومع ذلك لم ينس وطنه ومسقط رأسه ومرتع صباه الشام، فجلب نخلة من موطنه وزرعها بيده في عاصمته قرطبة وظل يزورها حتى أينعت وحان قطافها، فنظر اليها وتذكر وطنه رغم السلطة والجاه فبكى وأبكى من حوله، ففاض الشعر في صدره وقال باكيا:
يا نخل أنت غريبة مثلي
في الأرض نائية عن الأهل
تبكي وهل تبكي مكممة
عجماء لم تطبع على خبل
لو أنها تبكي إذا لبكت
ماء الفرات ومنبت النخل
فالوطن لا يعادله شيء، ولا يعرف قيمته إلا من فقده، ومن لا يعرف قيمة وطنه وحقه الكبير عليه، ناقص عقل ودين، وقد آن لوطننا أن يستريح، فإلى متى هذا النزاع والجدل العقيم؟ وإلى متى هذا الاختلاف؟ ولم لا نخاف الله في هذا الوطن الرائع؟ فمنذ تحرير الكويت وحتى هذه الساعة ونحن في نزاعات ادمت الوطن، مر ثلاثون عاما ومازال الاختلاف مستمرا والوضع على ما هو عليه، حتى مجلس الامة الذي نعول عليه الكثير أصبح أداؤه ضعيفا، فالشعب الكويتي في واد والمجلس في واد آخر، وهذا لا يعني تبرئة مجلس الوزراء من القصور، فكل يشبه بعضه بعضا، حتى إننا لم نعد نعرف أسماء أعضاء مجلس الأمة والوزراء، لكثرة ما تغيروا، وليس هذا بمهم بالنسبة لي وإنما المهم الكويت ثم الكويت ثم الكويت، فلا بارك الله بمن لا يعرف حق وطنه عليه ولا حياه الله وبياه اينما توجه، لقد آن لهذا الوطن الجريح أن يستريح، ولا مكان بيننا للفساد والمفسدين، الذين رموا مصلحة الوطن وراء ظهورهم، وقدموا مصالحهم، إن الوطن يسع الجميع وهو محتاج للجميع، فلا نكن كالتي نقضت غزلها من بعض قوة أنكاثا، ولا نكن كمن بر بخالته وعق أمه، ومن خان وطنه خان دينه، ولم لا نكون جميعا حزبا للوطن، مثلما قال امير القلوب الشيخ جابر الاحمد غفر الله له: «كلنا للكويت والكويت لنا» فالوطن دائما على حق ونحن من نخطئ في حقه، ولله در القائل:
ونستعذب الأرض التي لا هوا بها
ولا ماؤها عذب ولكنها وطن
فكيف بوطن اعطانا من الخيرات ما لا يعد ولا يحصى، روي ان أبان بن سعيد قدم المدينة المنورة من مكة المكرمة، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: كيف تركت مكة؟ قال: تركت الأذخر وقد أعذق، والثمام وقد أورق، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا الى وطنه، فقال بلال بن رباح رضي الله عنه:
الا ليت شعري هل ابيتن ليلة
بواد وحولي أذخر وجليل
وهل اردن يوما مياه مجنة
وهل تبدون لي شامة وطفيل
فالله الله بهذا الوطن، وأترككم في رعايه الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى