المقالات

كان من الرائع اكتشاف أميركا… ولكن

«ان موت ألفي مواطن أميركي في يوم واحد بسبب كورونا، يعطي انطباعا بأن أميركا أصبحت دولة فاشلة».
هذا ما نشره البروفيسور الكندي ويد ديفيس Wade Davis في مجلة «the Rolling stone»، عن «تفكك أميركا»، قد يكون ما قاله ديفيس، محقاً، إلا أنه يشير إلى حجم الفشل الذريع الذي أحدثته الإدارة الأميركية السابقة في إدارة هذا الوباء الذي اجتاح العالم أجمع وليس فقط أميركا، فالميزة التي كانت محط أنظار العالم للنظام الصحي الأميركي قد تداعت وفشلت، ولم تعد تكفي الحملات الإعلانية والتسويقية للترويج لهذا النظام الصحي.
ولكن هل الفشل في إدارة هذا الوباء هو السبب الوحيد «أقلها»، أم أن هناك أسبابا أخرى جعلت من الولايات المتحدة الأميركية «أقوى دولة في العالم»، تفشل في إدارة الوباء، وتظهير العملية الانتخابية الأخيرة للرئيس الأميركي وما تخللها من اتهامات بالتزوير والسرقة وقلة الأمانة وتعرية الديمقراطية الجوفاء في «عقر دارها»، أم غزوة الكابيتول والتي كانت الفضيحة الأكبر.
ويد ديفيس، واستنادا إلى معطيات تحليلية ومعلوماتية شملت السياسة والاقتصاد والعسكر والأمن، قال ان الوهن والضعف بدأ منذ 30 عاماً في الإدارة الأميركية، وإن «فيروس كورونا» هو إعلان لبداية الانهيار العملي والفعلي، والأمر لا يتعلق بالطريقة التي تعامل بها ترامب مع الأزمة، بل «علامة من علامات المرض المزمن التي تعاني منه».
وقد يكون من المؤشرات الأساسية التي لم يتطرق اليها ديفيس في مقالته هي حجم التأثير اللوبي الصهيوني داخل وخارج الإدارة الأميركية، وما له من حجم على القرارات الأساسية والتي تؤدي أحيانا الى أخذ الولايات المتحدة الى إلغاء قرارات واتفاقيات تاريخية، وليس آخرها إلغاء صفقات الأسلحة وغيرها.
اذ لم يكد يعلن الرئيس الأميركي عن تعيين روبرت مالي مبعوثاً رئاسياً خاصاً، حتى انبرت الأصوات الصهيونية داخل الولايات المتحدة الأميركية، وخارجها لتحاربه وتعلن عن مدى حجم «الفظاعة والخطأ المميت» الذي ارتكبه جو بايدن لاختياره، ولم تقتصر الانتقادات على روبرت مالي بل طالت الفريق كله من وليام بيرنز على رأس وكالة CIA، إلى أنطوني بلينك وزير الخارجية، وغيرهما. وهذا دليل على أن الكيان الصهيوني لم ولن يرضى بأي نوع من أنواع التهدئة لمجرد ولو «الإشارة» فقط في المنطقة العربية، وما أعلنه رئيس أركان «الجيش الصهيوني» أفيف كوخافي من تصريحات في مؤتمر «معهد الأمن القومي»، والتي تحدّث فيها عن «وضع الجيش الصهيوني» خططاً عسكرية لمواجهة المشروع «النووي»، مشيراً إلى أن عودة الرئيس جو بايدن إلى الاتفاق السابق «أمر سيئ جداً»، ما اعتبره البعض انتقاداً موجهاً بشكل مباشر الى الرئيس الأميركي، وهذا ليس من صلاحياته.
إن حجم التدخل الصهيوني في القرارات الأميركية المصيرية يكاد يضع الإنسان بين فكرتين، كلاهما «مر»، هل «الكيان الصهيوني» هو الذي يدير الولايات المتحدة أم العكس؟ وهنا تظهر حجم لعبة الأدوار المتقنة بذكاء شديد بين الإدارات المتعاقبة، لا فرق بين أن تكون الإدارة «جمهورية أم ديمقراطية» فكلاهما سيان فيما يخص أمن «الدولة الصهيونية»، وأما فيما خص شعوب المنطقة فلا مبالاة على الإطلاق، فالشعوب بالنسبة لهم هي أرقام لا أكثر ولا أقل، قد تزيد وتنقص بحسب الرغبة والمصلحة.
في مقالة للكاتبين جيمس غولدغير وبروس جينتلسون في «فورين أفيرز»، دعوا فيها الإدارة الأميركية، إلى إلغاء فكرة عقد قِمَّة دوليّة للديمقراطيات، واستضافة «قِمَّة محلّية تعيد التزام القيادة السياسية للأمة بمؤسّسات النظام، وتبذل بعض الجهد للتغلّب على الظلم وعدم المساواة، يمكن لمثل هذا المسعى أن يجمع قادة الكونغرس من الحزبَين ورؤساء البلديات للتعهّد بتجديد الديمقراطية الأميركية».
شهادات، ويد ديفيس، وجيمس غولدغير وبروس جينتلسون، وغيرهما من الكتاب والمنظرين، هي مؤشرات، تدل على «شيخوخة» النظام الأميركي بأكمله وليس على مرحلة قصيرة مضت فقط، قد تكون القوة أحيانا، مدمرة لأصحابها إن لم يحسن استعمالها في المكان والزمان المناسبين.
يقول الكاتب الأميركي مارك توين: «كان من الرائع اكتشاف أميركا، ولكن الرائع حقا لو لم يتم استكشافها».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى