المقالات

موسكو وواشنطن ولعبة شد الحبال

لا يترك الغرب فرصة الا ويستغلها إاعلان مواقفه المتشددة تجاه موسكو، تارة بإشهار العقوبات، وتارة أخرى باللجوء الى التصعيد الإعلامي، لانتقاد سياسات روسيا تجاه الغرب والشرق، اذ ليست المرة الأولى التي تلوّح فيها بلجيكا بالعقوبات تجاه موسكو، فمنذ عودة المعارض الروسي أليكسي نافالني إلى بلاده، حيث كان يقضي فترة نقاهة بعد «تسمّمه» المزعوم، والذي اتُهم الكرملين بتدبيره، بدأت حملة التجييش لمناصريه ودعوتهم للتظاهر في الشارع ضدّ الحكومة الروسية، ولمّحت أوروبا برفع وتيرة العقوبات وتدابير صارمة أخرى تجاه موسكو.
الدول الغربية «لا تحتاج إلى حجج حقيقية لفرض عقوبات جديدة على روسيا»، هذا ما صرحت به المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، واذا ما لم يكن هناك أي حدث «خلاف العادي» لاخترعته دول الغرب لادانة النظام في موسكو واظهار «ديكتاتوريته» وبالتالي اعلان المواقف المعادية له.
فريق بايدن اليوم مناهض كبير لروسيا، ويتوعد بإطالة فترة العقوبات، ولكنهم استنفدوا كل أنواع العقوبات والإمكانيات المتاحة، قد لا يتمتع بوتين بنفس القوة التي كان يتمتع بها أسلافه السوفييت في السبعينيات، لكن روسيا أيضاً ليست الدولة الضعيفة والمتداعية التي كانت عليها في التسعينيات. لقد عاودت الظهور كواحدة من أقوى الدول في العالم – مع قوة عسكرية وإلكترونية واقتصادية وأيديولوجية أكثر بكثير مما يقدره معظم الأميركيين.
يقول مايكل ماكفور، وهو دبلوماسي سابق خدم في روسيا في «الفورين أفيرز»، «التفكير الأميركي بشأن روسيا ملطخ بالمفاهيم الخاطئة، يفترض العديد من المحللين بشكل خاطئ أن روسيا قوة متراجعة»، اذ «لا تزال روسيا قوة عسكرية هائلة وواحدة من قوتين نوويتين عظميين فقط. لقد استثمر بوتين بكثافة في التحديث النووي، بينما لم تفعل الولايات المتحدة ذلك. كما كرس موارد هائلة لتطوير القوات التقليدية الروسية».
لا تمتلك القوات المسلحة للكرملين نفوذًا عالميًا، لكنها تشكل تهديدًا كبيرًا لأوروبا بل وتتفوق على الناتو ببعض الإجراءات، بما في ذلك عدد الدبابات وصواريخ كروز والقوات على الحدود بين الناتو وروسيا. وقام فلاديمير بوتين أيضاً باستثمارات كبيرة في أسلحة الفضاء والاستخبارات والقدرات الإلكترونية، ولدى موسكو تحالفات رسمية أقل «وأضعف» من واشنطن، لكن علاقاتها مع الصين، بما في ذلك العلاقات العسكرية العميقة، لم تكن أبدًا أوثق. من حيث القدرة العسكرية الشاملة، من المحتمل أن تحتل روسيا المرتبة الثالثة كأقوى دولة في العالم.
في السنوات الأربع الماضية التي حكم فيها الرئيس دونالد ترامب، كانت فترة مناسبة لفلاديمير بوتين لتمتين تحالفه مع التنين الصيني، وربط علاقاته بشكل واسع ومتين مع ايران، وتركيا أردوغان، اذ أن الأخير وبعد كشف مخطط الانقلاب الذي كان يدبر له من قبل الغرب، اقترب جداً من موسكو، الذي أبرم معها صفقة الأسلحة الروسية وخاصة منظومة النظام الدفاع الصاروخي الروسي «إس- 400» والذي أربك أعداء روسيا حول العالم وفي مقدمتهم الجيش الأميركي، الذي يستخدم نظام «باتريوت» الصاروخي، لحماية قواعده وحلفائه. وبالتالي جعل من الولايات المتحدة الأميركية تعيد حساباتها مع تركيا خشية ترك الساحة لخصومهم الروس.
التنافس بين الدول لا يعني بالضرورة المواجهة، فالجانبان «الأميركي والروسي» معنيان بالتعاون وكذلك بمناقشة السيطرة على الأسلحة الاستراتيجية والأسلحة النووية. فكلاهما يعملان وفق منظومة معقدة من الحسابات والتكتيكات الاستراتيجية إلا أن القاسم المشترك هو بسط النفوذ الأوسع والسباق نحو كسب البعد الجيوسياسي كلٍ في اطار علاقاته التاريخية والمستجدة، مع محاولة المنافسة الشرسة فيما يخص مناطق النفط والغاز في الشرق الأوسط، وتتخذ أبعاداً خطيرة كلما اقترب أحد الطرفين من منطقة نفوذ الآخر.
روسيا تسعى اليوم لوضع معادلة أمنية تأخذ في الاعتبار تطور الجوانب الأمنية العسكرية- التقنية والعسكرية- السياسية، وتوسيع جدول الأعمال الاستراتيجي وإدراج جميع الأسلحة الهجومية والدفاعية، النووية وغير النووية». لذلك سعت الى تجديد معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بين موسكو وواشنطن، والتي جرى تمديدها مؤخرا في روسيا إلى سنة 2026.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى