المقالات

الوطن ملك لشخص آخر!

ذات مرة، وفي جريدة «ذي إندبندنت»، كتب روبرت فيسك مقالا بعنوان «لماذا تبقى الحياة في الشرق الأوسط أسيرة القرون الوسطى؟». وإن كان المقال يغلب عليه التفسير القائم على الأبعاد «الإثنية- الفوقية» «أي النظر للآخر بعين العلو والتصغير»، إلا أن ما استوقفني في مقالته هذه العبارة التي جاءت كتفسير لتناقضية «نظافة بيت العربي» في مقابل «وساخة الحي والشارع الذي يقيم فيه»:
«أغلب ظني أن ثمة مشكلة حقيقية في عقل العربي، فالواحد منهم لا يتصوّر أن بلاده ملكٌ له. وفي اعتقادي أن اندفاعه وتحمّسه حيال فكرة «الوحدة» العربية أو الوطنية لا يدعانه يشعر بالانتماء على غرار ما يحسّ به الغربيون. كما أنه غير قادر في الغالب على انتخاب ممثليه الحقيقيين- حتى في لبنان، خارج النطاق القبَلي أو الطائفي- لإحساسه بأنه «مُستبعَد». فالشارع، والبلد ككيان فيزيائي، ملك لشخص آخر. وبالطبع فإنه عندما تحين فرصة التحرك، والأسوأ من ذلك عندما يكون التحرك شعبياً، يجري تطبيق قوانين الطوارئ لجعل مثل هذا التحرك غير قانوني أو «إرهابيا». وعليه، فدائماً ما تكون مهمة العناية بالحدائق والتلال والشوارع من مسؤولية شخص آخر».
أعتقد أن السيد «فيسك» قد وفّق في هذا الرأي الذي جاء بتشخيص واقعي ومباشر. إن جلّ ما يغيب في الواقع العربي هو مفهوم «المواطنة» التي تقوم على حقوق وواجبات مساواتية لا يختلف فيها الحاكم عن المحكوم ولا التاجر عن الفقير.. إلخ. إن المواطن العربي، وفي الثلاثين سنة الأخيرة، تعرّض لحملة عنيفة من قبل السلطة الحاكمة جعلته ينفر، بصورة أو بأخرى، من الرغبة في المشاركة والاندماج في المجتمع الذي ينتمي إليه.
إن كل ما سعت وتسعى إليه «الدولة العربية» (أو الدولة الوهمية) هو تقديس صورة «الحاكم» وحاشيته وما يرتبط به من قوى سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، من خلال ماكينيزمات الحجر على حرية التعبير، وحرية الانتقاد، وحرية الاختيار والحركة، في مقابل التسامح مع هذا المواطن في بقية المواقف الأخرى، مثل تجاوز الإشارة الحمراء، وإلقاء القمامة في الشارع، وتكسير المرافق العامة، وغيرها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى