المقالات

ضوابط الحرية!

الصراع حول الحرية كان ومازال القضية الأساسية التي ناضل من أجلها الكثير من البشر منذ فجر الخليقة وحتى يومنا هذا، بسبب الانتهاكات الوحشية التي فرضت من الملوك والزعماء تجاه الشعوب والأفراد، وقسمت المجتمعات إلى طبقة عليا تملك الأرض ومن حوت، وهم السادة والنبلاء والأشراف، وطبقة سفلى لا تحظى بأي حقوق وظيفتهم الأساسية العمل لخدمة الطبقة العليا، وهم العبيد والخدم وبقية الشعب الفقير المغلوب على أمره.

في كل مراحل الصراع حول مفهوم الحرية الفلسفي كان له أنصار مؤيدون ومعارضون، وكان النقاش دائرا حول الحق الطبيعي للبشر وبين تنازلهم عن السلطة للمتسلط لمحاولة إقناع العامة والدهماء حتى يرضوا بالواقع المرير الذي يعانون منه، فجاءت أولى النظريات من خلال الزعم بأن الملك يستمد شرعيته من الله مباشرة، ولا يحق لأي قوة أرضية أن تنازعه في حقه الإلهي من السماء بالتسلط والطغيان على البشر.

ذلك الصراع استمر لقرون طويلة، خصوصاً في أوروبا، وأدى بالنهاية إلى انتصار نظرية العقد الاجتماعي لتوجيه نظر الطغاة الى أنهم ليسوا من عنصر يعلو على عنصر البـشر، وأنهم يحكمون وفق قواعد متفق عليها منذ الأزل، وأن عليهم أن يخضعوا لهذه الشروط، وقد انتشرت هذه النظرية على لسان العديد من المفكرين والفلاسفة في العصر الحديث، كان مـن أهمهم توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، وكان من نتائجها نجاح الثورة الفرنسية وانتشار مفهوم الحرية باعتبارها حقاً أصيلاً للبشر لا ينازعه أحد.

مفهوم الحرية كان ومازال موضوعه الأساسي هو حق الشعب في المشاركة السياسية وإبداء الرأي بحرية وليس موضوعه الفوضى والانحلال من أي قيم اجتماعية ودينية كما يصوره البعض، فهي حرية تتوقف عندما تتعارض مع الآخرين لأنها حرية مسؤولة ومقيدة بضوابط.

الكويت ومنذ فجر الاستقلال آمن حكامها بحق الشعب في المشاركة السياسية، فجاء الدستور ومجلس الأمة ترجمة لمبادئ ومفهوم الحرية والديمقراطية، فتميزت البلاد عن بقية الدول العربية بمناخ الديمقراطية وحرية إبداء الرأي، لكن الكثير لم يفهم ويستوعب ذلك المناخ فأراد من تلك الحرية أن تكون منصة للفوضى الخلاقة والانحلال وميزة لنشر الإشاعات والطعن بالأعراض وفرصة للطعن وتصفية الحسابات من خلال مهاجمة الأسر الحاكمة في الدول العربية ومحاولة الانقلاب على الدولة والنظام والتخريب بحجة الحرية والديمقراطية الهدامة وفق نظرهم القاصر والمتخلف!

فهناك فرق بين من يؤمن بالحرية بمفهومها البناء لتنمية وتطوير الشعوب والبلدان دون التعدي على الثوابت الدستورية والدينية والاجتماعية وبين من يؤمن بحرية هدامة منفلتة تريد تدمير الدولة والمجتمع والقيم والأخلاق والمبادئ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى