المقالات

مفيش فايدة يا صفية

في الثالث والعشرين من اغسطس 1927 وقبل لحظات من وفاته يرحمه الله قال سعد زغلول زعيم الثورة العربية في مصر على الاستعمار الانجليزي عام 1919 «مفيش فايدة ياصفية.. غطيني». ويقال انه ودع الحياة بعدها، وصفية هي زوجته وهي ابنة مصطفى باشا رئيس النظار في مصر في ذلك العصر والنظار هم الوزراء ولم يكن في مصر من يحمل مسمى وزير فكان ناظر الحربية وناظر المالية وناظر التعليم وهكذا، واما مصطفى باشا وهو تركي الاصل فكان على خلاف كبير مع سعد زغلول الثائر ضد الانكليز وضد الاتراك ومن سار في سكة الاستعمار، وهو احد الزعماء التاريخيين في هذه الامة وشغل منصبي رئيس الوزراء والامة، إلا ان قاسم امين الشاعر الذي اجج الشارع لتحرير المرأة في مصر وفي بقية الدول العربية «ما كان يجري في مصر كان يصب في مصلحة كل الامة وكانت مصر محط انظار كل العرب والعالم الى حد ما» لعب دورا اساسيا في اقناع مصطفى باشا لتزويج ابنته صفية الى سعد زغلول، واما امين فهو كاتب وأديب ومصلح اجتماعي وشاعر وهو من اب تركي وأم مصرية ويعد أحد مؤسسي الحركة الوطنية في مصر وجامعة القاهرة الا انه يعرف على انه رائد حركة تحرير المرأة. اما والد صفية التي سميت بأم المصريين فهو مصطفى فهمي باشا احد اوائل رؤساء وزراء مصر بعدما عرفت مصر نظام رؤساء الوزارة في مطلع القرن التاسع عشر، وكان الخلاف على اشده بين زغلول ومصطفى فهمي لكن قاسم امين نجح في ترتيب امر الزواج. واما «مفيش فايدة يا صفية» فقد قالها زغلول يرحمه الله عندما ادرك انه مفارق لا محالة أجله وان لا أمل يرجى من أي تصرف او رجاء، وهو نفس حال الامة الان التي ينطبق عليها اخر ما قاله زغلول . المشكلة التي تقترب من الكارثة التي يتغافل عنها صناع القرار ويغض النظر عنها الباحثون واصحاب دور الرأي والدراسات المستقبلية وواضعي الحلول، هذه المشكلة تتمثل فيما يعرف الان بالطاقة الخضراء التي ستلغي الحاجة الى النفط والغاز العربي والاتجاه الى ادوات طاقة بديلة تتوافق مع متطلبات القادم من الايام في كل ما يتطلب طاقة في حدمة البشرية من خلال اجمالي ناتج اقتصادات دول العالم. لذلك يقال الان «ان الإنسانية تتحرك تدريجياً نحو هاوية أكبر أزمة اقتصادية تواجهها منذ قرون. إنها أزمة فائض الإنتاج، وكذلك أزمة نهاية الدورة التكنولوجية الحالية. فمع التقنيات الحالية، أصبح من المستحيل رفع مستوى الاستهلاك البشري فوق المستوى الحالي. وفي كل مرة كان الخروج من الأزمة مرتبطا بانتقال البشرية إلى مستوى جديد من التكنولوجيا، كما حدث من قبل في الانتقال إلى مصانع النسيج، والمحرك البخاري، ومحرك الاحتراق الداخلي، والكهرباء، وغيرها. وهو ما أدى إلى ظهور صناعات جديدة، ومعها إلى دورة استثمار جديدة. لكن الأزمة والخروج منها ربما يستغرقان عقوداً». لم يعد هناك مكان يمكن الاستثمار فيه، وليس هناك الكثير من الطلب الفعلي حول العالم لشراء جميع السلع المنتجة. والحل ان يتم العمل على إفلاس جزء كبير من الإنتاج العالمي، وهو ما سيقود الى انهيار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتحول مركز الاقتصاد العالمي على مدى قرون قادمة إلى آسيا. يعيب على من يكتب مثلنا عن العلم والبحث العلمي والتخطيط للمستقبل ان حالة الرخاء والفائض المالي العالي وقوة الصناديق السيادية التابعة لدول النفط، غيرت المزاج لصالح تفضيل عامل بحبوحة العيش على العمل والتطور زعما بأن هذا الفائض يمكن ان يتواصل خمسين اخرى وهو امر غير واقعي ولا يمت للحقيقة باي صلة على الاطلاق. لقد انتجت الدول الكبرى اغلب الفصائل التي تحتكم الى السلاح في تسابقها على الحكم بل وحتى الاحزاب الاسلامية التي تقود الامة الان من خلف الستار ومن امامه بمسميات مختلفة. ليس سرا ان خصومة الاخرين للعرب لاعلاقة لها باي شيء آخر غير اموال النفط. لذلك تم استنزاف الامة بالحروب والخلافات الوهمية والفقاعات الكبرى وهي معروفة غير النفوذ الصهيوني في المنطقة. لذلك قال هنري كيسنجر احد العقول الحاكمة للعالم وليس للولايات المتحدة فقط ان العرب سيجبرون في يوم ما على شرب نفطهم. هناك عالم جديد يتشكل مع الثورة الصناعية الصينية. هناك من يعتقد ان الفكر محرم والابداع محرم والعلم محرم والعمل محرم وهو املاء يضع العرب والمسلمين دون سواهم من بقية العالم عاجلا او آجلا بين قوسين دون خط الفقر. الامر الذي حول اموال النفط الى وسيلة للبذخ والترف والانفاق والاستهلاك المبالغ فيه وليس وسيلة لتغذية العقل بالعلم والاتجاه الى مشاركة العالم بالصناعة والتجارة والتنمية والانسان والريادة العلمية. نحن بحاجة الى خلق بيئة جديدة اكثر قدرة على انتاج افراد فاعلين في اسواق البحث العلمي والانتاج الصناعي والزراعي تركز على الانسان اولا. هناك الان وسائل لانتاج الطاقة الكهربائية تستمد متطلباتها من الطاقة الشمسية ومحركات الهواء لا تعتمد على النفط والغاز. ويجري التخطيط لتحويل محركات السيارات الى مفاعلات صغيرة تعتمد على الكهرباء لا الوقود الحالي التقليدي وبكفاءة عالية ولمسافات اطول. وكذلك الحال مع القطارات والطائرات والبواخر والمصانع. قد لا تكون بعيدة الايام التي سنرى فيها هيمنة الطاقة الخضراء على متطلبات الانسان والية الحياة اليومية. الا ان ذلك لا يعني ان عصر النفط والغاز قد انتهى تماما الا ان البدائل ستجد تفضيلا ورواجا اكبر في حين ستركز دولنا على الاستثمار الداخلي بالنفط والغاز لجعل الحياة اسهل والوقود ارخص وسيكون بالامكان وقتها البحث عن استخدامات اخرى للطاقة العربية لا تقتصر على وقود السيارات والطائرات والبواخر ومحطات تنقية مياه البحر. اما مسألة البقاء اذ ليس لدينا حاليا مصادر للثروة والدخل اكثر من عائدات النفط والغاز. هناك عملية حسابية جديدة يجب ان تعد من الان لضمان التمتع باكبر قدر ممكن من النفط والغاز قبل فوات الاوان ولاطول فترة ممكنة إذ لن يكون بامكان العالم المتقدم وسيكون الشرق الاسيوي تحديدا لا الولايات المتحدة ولا الغرب الاوروبي من سيقود عملية طبخ وانضاج وليمة الطاقة الخضراء البديلة، ان تصل الى مبتغاها بين يوم وليلة حتى وان توصل العقل البشري الى ادوات للطاقة بدون اسلاك وهو ما تحتاج اليه محطات الكهرباء التي ستزود السيارات بالكهرباء بدلا من الوقد السائل او الغاز كما تخطط مصر حاليا. وكنت التقيت واستضفت تلفزيونيا ثلاثة على الاقل من علماء الذرة العراقيين وسجلت مع احدهم لقاء في حديقة الهايد بارك لخشيته من الحضور الى الاستديو وهو احد العلماء المتميزين الان على مستوى العالم. العلماء الثلاثة اجمعوا وقتها على ان التقنية العلمية المتبعة حتى في الولايات المتحدة في طريقها الى الزوال والاستبدال. اللقاءات تمت ما بين عامي 1997 و1999 ووقتها قال احدهم ان العلم فتح افقا جديدة ستجعل الحياة اسهل لمن لديه وسيلة للتعامل مع العلم والاستثمار فيه، وفي القواسم المشتركة الاكثر وضوحا في كلام العلماء الثلاثة ان الانتقال من مسافات بعيدة سيكون اسهل والطب سيكون اكثر استجابة للدواء ولابحاث الاطباء وسيكون بالامكان التغلب على امراض مستعصية على العلم والعلماء وكبار الاطباء، وتوقع هؤلاء ان تظهر لغة علمية جديدة جراء تداخل الباحثين والعلماء الآسيويين مع الملفات الاكثر تعقيدا على البشر والتي تشكل تحديات كبرى كما هو وباء كورونا حاليا اذ تنبأ احدهم ان يفرز التفوق العلمي والتجارب النووية والوقود البديل ظواهر صحية تشكل تحديات قال عنها انها بديهية لانها تدخل في اطار رفض الطبيعة لتدخل البشر في نظمها وقوانينها. لكن في الاحتكام للواقع يرد الجواب من كلام زغلول للسيدة صفية «مفيش فايدة».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى