المقالات

الأدب في زمن الوباء

يخبرنا التراث الادبي والاثر المعرفي في الابداع والانتاجات الفكرية أن الكتابة الإبداعية هي محصلة لتفاعلات المبدع مع محيطه الحياتي والاجتماعي زمانيا ومكانيا من خلال ما يعايشه من تجارب وذكريات وعلاقات متنوعة. فالإبداع ليس تسجيلاً للواقع بقدر ما هو عكس الواقع بصورة فنية.

ولطالما كان الأدب منذ القدم معبّرا عن الواقع الحياتي بأبعاده المختلفة، من خلال تسليطه الضوء على الأحداث المختلفة من حروب وكوارث وأوبئة وأزمات، وهو الأمر الذي يفترض أن جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» بنسخها الأولية أو المتحورة التي اجتاحت العالم أجمع، سيكون لها تأثير واضح على الإنتاج الإبداعي -الأدبي والفني-في المستقبل، الذي سيتخذ أشكالاً وصيغاً متعددة وطرقَ تعبير جديدة ومختلفة على الأرجح.

لقد حضرت الأوبئة في الأعمال الأدبية بفروعها المختلفة منذ العصر اليوناني، التي رسخت العلاقة السببية بين الطاعون والخطيئة في بعض الأعمال، مثل الإلياذة، حين يأسر أجامنون بنت قسيس للإله أبولو، فيتفشى الطاعون في جيش اليونان.

ولعل الميزة الأهم للإبداع قدرته على التعبير، وأن ينقل ما يشعر به الآخرون ولا يقدرون على وصفه، حيث تبقى تجربة الألم وتأثير الوباء وكتابته تجربة استثنائية حركت أقلام مبدعين كثر، كما في أشعار العراقي بدر شاكر السياب، والمصري أمل دنقل، والسوداني التجاني يوسف بشير، ومن الروايات «استئصال» للروائي المغربي طاهر بن جلون، و«ساقي اليمنى» للشاعر المصري وائل وجدي، و«يوميات امرأة مشعة» للقاصة نعمات البحيري، و«للمستشفى رائحتان» للقاص السوداني علي المك، بالإضافة الى ما خطه الابداع العالمي كما هو في رواية «العمى» للبرتغالي جوزيه سارامغو، و«الطاعون» للفرنسي البير كامو، فلسنوات طويلة ظل الجيل الحالي يقرأ عن الأوبئة السابقة ويرى المشاهد التي تجعله يشعر بالقشعريرة خلال القراءة، وربما لم يتوقع البعض أن تعاد تلك المشاهد ويعيشها بنفسه في الوقت الراهن، وهو ما أحدثته أزمة كورونا.

إن الفن والأدب الذي يخرج من رحم الأزمات والمعاناة والحروب والأوبئة هو فن وأدب ملتزم معبر لتميزه ولإبداعه لنفسية الإنسان التي تفتح فيها نوافذ الحياة ليتم تغذية إحساس البشرية بهذه الروح الفياضة بالسمو لتخفف من معاناة الإنسان وتعزز الأمل في الذات لتجاوز الصعاب، كما أن التغييرات التي ستحدثها جائحة «كورونا» سيجد لها انعكاس في «الفن والأدب» وأساليبهما؛ وستكون هذه الإبداعات صدى لهذه «الصدمة» التي عاشتها وستعيشها المجتمعات في العالم؛ والتي ستستحدث بعد الجائحة الوبائية لـ«كورونا»، لأن المعاناة التي تتجذر يوميا في نفوس المجتمعات؛ وما يترتب عنها من آلام الروح والجسد ومعاناة وعذاب وفقدان الملايين من بني البشر بعد رحلة ألم وشقاء مع المرض الذي عاشها ويعيشها الإنسان وهو يعاني اختناقات تنفس بطيئة تطبق على أنفاسه؛ وهو يرى هذه المشاهد المروعة بآلاف وبملايين المصابين بالوباء يوميا؛ للدرجة التي أصبحت حياته مهددة في كل لحظة من عدو يطوف ويطوق حياته ويهددها في كل لحظة وثانية.

اقتبس هنا من رواية الأمير الصغير لسانت إكسوبيري قوله: «لا يستطيع المرء الرؤية بوضوح إلا بقلبه»، ويرمز «القلب» هنا إلى الإحساس والفهم السليم في أنقى صوره، لكل المواقف المتأصلة والفطرية تجاه حياتنا اليومية، حيث تبرهن الجائحة على أن الفصل بين الأفراد ليس أقل خيالية من الفصل بين الجسد والعالم، فنحن نخطو للعالم بأقدامنا، ونتداركه بأيدينا ونتحدث عنه بأفواهنا، ولذلك فإن الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذه الجائحة هي طريقة – بالضرورة-غير طبيعية، لكن تخفف من وطأتها الكتابة والابداع، إننا نواجه الفجوة القديمة بين العلم وخبرتنا اليومية، ولكن يمكن القول إن هذه الفجوة وصلت إلى الحد الأقصى.

اختارت نيكول باريا أسينجو «بناء حالة طبيعية جديدة» كعنوان لكتابها القصير عن كوفيد-19، ويجب أن يُفسر هذا العنوان بأقوى معنى ممكن، فلم تحطم جائحة كوفيد-19 الرعاية الصحية، والاقتصاد والعلاقات السياسية والاجتماعية فقط، فضلًا عن توازننا العقلي؛ بل لقد أدت إلى شيء أكثر راديكالية، والذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالفكر، لقد هددت الجائحة مفهومنا عن «الحياة الطبيعية»، وهو مصطلح ينبغي علينا أن نعطيه كل ثقله، لذلك فالإبداع المستقبلي الذي سيتناول أبعاد الجائحة من خلال رؤية الكتاب والأدباء سوف يعكس بكل تأكيد القواعد والممارسات التي لا تعمل على بناء حياتنا النفسية فحسب، بل وأيضًا الطريقة التي نتعامل بها مع ما نختبره كواقع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى