المقالات

ربما أكل الكلب مؤدبه!

جوع كلبك يتبعك مثل شهير قيل في الجاهلية، وقائل المثل أحد ملوك اليمن؛ ولأن لكل مثل عربي قصة، فقصة هذا المثل، فقد كان هذا الملك عنيفًا على أهل مملكته، جشعًا طماعًا يغصبهم أموالهم، ويسلبهم ما في أيديهم، حتى أصبح القوم فقراء وليس فيهم غني غيره، فقالت له امرأته ناصحة: أرفق بقومك فإني أخاف أن يصيروا علينا سباعاً بعد ما كانوا لنا أعوانًا! فقال لها: جوع كلبك يتبعك! وستمر على حاله هذا، ثم ذهبوا مرة إلى الغزو تحت قيادته وانتصروا وغتنموا غنائم كثيرة، فأخذها كلها كعادته، فلقي القوم أخاه وقالوا له: لقد رأيت ما فعل أخوك بنا، وإنا نكره أن يخرج الملك منكم إلى بيت غيركم، فأعنا على قتل أخيك، واجلس مكانه! فوافقهم في طلبهم، فوثبوا عليه جميعا وقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول، وكان قد سمع قوله: جوع كلبك يتبعك، فقال له: ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم يشبعه، فصارت مثلاً هي الأخرى.
الكلاب وافية ما دمت وافياً معها، وما ضُرب هذا المثل إلا لوفاء الكلاب وليس لضعفها، فإتباع الكلاب لك ليس دليل على قوتك، وإنما بسبب وفاء الكلاب لك، لكن إذا شعرت الكلاب بالجوع والإهانة لن يثنيها شيء عن إنتزاع حقها واستعادت كرامتها ولو بخيانة أو قتل مربيها الذي غره وفاء الكلاب واتباعهم له متناسيا قوتهم وقدرتهم على الإطاحة به، ودفع نفسه ضريبة لسنوات الجوع والفقر التي اذاقها الكلاب، ولكي يعلم أن الجوع والفقر ليس الوسيلة التي مكنته من خضوع الكلاب واتباعهم له.
والشعوب والكلاب في هذا سواء، سياسة التجويع ليس الوسيلة لإخضاع وإسكات الشعوب؛ ولأن الجميع يعلم أن الجوع كافر، والصبر إذا تجاوز حدوده قتل، والجميع يعلم أن عام 2011 ليس ببعيد عنا، وما حصل في ذلك العام هو رداً على سياسة جوع كلبك يتبعك، وما حصل في ذلك العام هو قطف لبعض رؤوس مُربي الفساد. سكوت الشعوب ومكابدت صعوبة العيش هذا لا يعني الخضوع والتبعية، بل يعني ذلك إن مؤشر الصبر لم ينفذ بعد، فالفساد والظلم لن يطول كثيرا، والجميع يعلم أن بعد الظلام شمساً تضي فوق رؤوس الناس، والفرج يكون قريباً من الضيق. ونسأل الله أن يغير حالنا إلى أحسن حال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى