المقالات

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار من لم تزود

بيت حكمة، فالأيام كفيلة بإظهار مالم تعلمه، وربما أتاك بالأخبار التي تسأل عنها من لم تسأله، ولاشك أن الليالي والأيام ستخبرك بما ماغفلت عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بهذا البيت من الشعر إلا أنه يقلبه ويصححه له ابي بكر الصديق لأنه ليس بشاعر ولاينبغي له، وقد بين ذلك المولى عز وجل في سورة يس، حيث قال : وماعلمناه الشعر وماينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين «69» وعلى نفس السياق يقول هذا الشاعر:
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له
بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
وهنا يقول ايضا أن الأخبار ستنقل لك ممن لم تشتر له متاع المسافر ولم تبين له وقتا لنقل الأخبار إليك، والبتات في هذا البيت كساء المسافر وأداته، وهذين البيتين ضمن معلقة طرفة بن العبد الوائلي، ومن أبياتها التي صارت مثلا قوله:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
وهنا يقول إذا أتاك الظلم من قريب لك فهو أمر شديد للغاية خاصة وأنك تنتظر منه الخير بحكم القربى،وطرفة لقب وليس اسم إنما هو عمرو بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن بكر بن وائل، وقد عاش يتيما وهو من الطبقة العليا بين الشعراء ويقال أنه أشعر الشعراء بعد امرئ القيس ومرتبته الثانية ولهذا ثني بمعلقته وقد أجمعت المصادر على أنه أحدث الشعراء سنا وعاش في بيئة كلها شعراء فالمرقش الأكبر عم والده والمرقش الأصغر عمه والمتلمس خاله وأخته الخرنق شاعره ورثته حين قتل، وكان طرفة نديما للملك عمرو بن هند إلا أنه هجاه فأمر عامله على البحرين المكعبر فقتله، وطرفة القائل:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
حنانيك بعض الشر أهون من بعض
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي
ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي
وقد قال هذا الشعر قبل أن يقتل، عاش طرفة ستة وعشرين عاما فسمي الغلام القتيل، وكان قد هجا عمرو بن هند هجاء مقذعا فقال:
فليت لنا مكان الملك عمرو
رغوثا حول غبتنا تخور
والرغوث الشاة او البهيمة التي لاتكاد ترفع رأسها من المعلف وكذلك يأتي معنى الرغوث بالمرضعة، ثم هجا أخو الملك قابوس بن هند فقال:
لعمرك إن قابوس بن هند
ليخلط ملكه نوك كثير
وهو هنا يصفه بالحماقة والتخليط، فعلم عمرو بن هند بكل ماقاله طرفة إلا أنه لم يظهر له سوء النية وأعطاه كتابا لواليه على البحرين وأعطى خاله المتلمس كتابا أيضا وأوهمهما بأنه أمر لهما بجائزتين أما المتلمس فقد أوجس من الملك خيفة ففض الكتاب وإذا مكتوب فيه: إذا جاءك المتلمس فأقطع يديه ورجليه من خلاف واصلبه، فاخبر طرفة وطلب منه أن يفض خاتم كاتمه فرفض وقال : لايجرؤ علي، أما المتلمس فرمى كتابه بنهر دجلة وهرب الى الشام، وأما طرفة فقد ذهب الى البحرين فكان آخر العهد به،فأصبحت صحيفة المتلمس مثلا سائرا ودرسا لمن بعده وفي ذلك يقول الفرزدق:
ألق الصحيفة يا فرزدق لاتكن
نكداء مثل صحيفة المتلمس
والمتلمس اسمه جرير بن عبدالعزى وقيل عبدالمسيح بن عبدالله بن زيد الضبيعي نسبة الى بني ضبيعة وقد سمي المتلمس لقوله:
فهذا أوان العرض جن ذباب
زنابيره والأرزق المتلمس
ودمتم سالمين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى