المقالات

ساطع الحصري … ذاكرة القومية العربية «1-2»

«العظماء في بعض الأمور قد يتساوون مع سواد الناس في كثير من الأمور وقد ينزلقون إلى أخطاء فادحة»، من رحم التفاعلات السياسية والأيديولوجية التي كانت تهيمن على المشهد العربي، خلال النصف الأول من القرن العشرين، بزغ نجم شخص مميز كانت كتاباته تهتم بالشأن الوحدوي، إنه ساطع الحصري، فيلسوف القومية العربية.
«إننا ثُرنا على الإنكليز، ثُرنا على الفرنسيين، وثُرنا على الذين استولوا على بلادنا وحاولوا استعبادنا. كرّرنا الثورات الحمراء عدة مرات، وواصلنا الثورات البيضاء عدة عقود من السنين، وقاسينا في هذا العمل ألواناً من العذاب، وتكبدنا أنواعاً من الخسائر، وضحينا كثيراً من الأرواح. ولكننا عندما تحررنا من نير هؤلاء، أخذنا نُقدّس الحدود التي أقاموها في بلادنا بعد أن قطعوا أوصالها، ونسينا أن تلك الحدود إنما كانت حدود «الحبس الانفرادي» و«الإقامة الإجبارية» التي كانوا فرضوها علينا»، كلمات ساطع الحصري العربي الذي ينتمي إلى أمة عربية شاملة.
«ماهي القومية؟»، و«محاضرات في نشوء الفكرة القومية»، عناوين كتب أبدع فيها ساطع الحصري من خلال الطرح العميق والنقد البنّاء لأي مضامين خاطئة والتي بطبيعة الحال قادته إلى مؤلفيه الآخرين «العروبة بين دعاتها ومعارضيها» و«آراء وأحاديث في القومية العربية». وقبل التعمق في هذه الشخصية لا بد من التعرف عليها عن كثب، وما شدني الإنتماء العروبي هي صدفة أم خطوات مدروسة، لكن اتحاد العواصم العربية في شخصية واحدة أمر محفز على الوحدة التي يطمح لها كل عربي، ساطع الحصري ابن مدينة حلب السورية في الأساس، ومن مواليد صنعاء – اليمن، ومدفنه في بغداد «مدينة السلام» – العراق، هل لاحظتم العراقة كما لاحظتها؟ّ!

ساطع الحصري
هو ساطع بن محمد هلال الحصري من مواليد صنعاء العام 1879 – وفاة 1968 بغداد – العراق، وبين هذه الأعوام دأب خلال سنوات حياته في الكتابة والتأليف التي بدأها بتركيا، حيث درس بمعاهدها وعمل فيها، وشغل عدداً من المهام الرسمية، وفي سنة 1919 انتقل إلى الاستقرار بسورية وبنى علاقات قوية مع نخبتها الثقافية والسياسية، حيث تولى مسؤولية وزارة التعليم، كما انتقل إلى العراق وشغل مهام تربوية وتعليمية من أهمها منصب مساعد لوزير المعارف، وضع المناهج التربوية في سورية والعراق، كما شارك في تأسيس كلية الحقوق في جامعة بغداد وكان مستشاراً لدى جامعة الدول العربية، لنكون في حضرة أستاذ ومؤرخ سوري وابن أحد مؤسسي الفكر القومي العربي، كان مهتماً بالفكر العربي والوحدة العربية، وحظي بتكريم من الرئيس جمال عبد الناصر بتعيينهِ مديراً لمعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة.

الفكر القومي
إن المناصب التي أبدع بها الحصري كانت منطلقاً لتوسيع أفقه ونظرته الفكرية وطرحها من زوايا أوسع، وأصبح شخصية درسها الغرب قبل العرب، وأطلقوا عليه اسم «ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي»، وهنا لا بد من ذكر ملاحظة مهمة، أن الغرب اعتبر الحصري قد استبعد الدين من فكر القومية، لكن الحقيقة أنه دعا إلى قومية عربية لكن لا تتعارض مع الدين وهناك فرق كبير بين المعنيين، فلا ننكر أنه كان من التنويريين الذين رفعوا الانتماء الوطني والقومي فوق كل الانتماءات الأخرى، لكن لسبب مهم وهو اعتبار الهوية العربية هوية جامعة تضم كل العرب على مختلف مشاربهم وأطيافهم وانتماءاتهم ومصدر قوتهم وتقدمهم بين الأمم والقوميات في عصر التكتلات الدولية، وهنا الفرادة في الطرح، على عكس المنغلقين اليوم الذين يروجون لاتجاه واحد، متناسين أو متغافلين على أن هناك الكثير من الناس يتشاركون معهم في الوطن.
يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى