المقالات

ساطع الحصري … ذاكرة القومية العربية «2-2»

وبالتالي، إن رفع لواء القومية العروبية، عبر المناداة بالرابطة القومية ومقارعة العقل الطائفي ورفع لواء المواطنية والعروبة الجامعة في كل الساحات العربية من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة، فالطائفية المريضة سبب كل داء وبلاء حل بالأمة، فكما كان المشرع والفقيه يهتم بمقاصد الشريعة للحصول على علوم شرعية وأحكام سديدة، بدءاً من اللغة، كذلك كان الحصري، فلقد رأى أن اللغة والتاريخ هما المقومان الأهم لتكوين الأمة والقومية، وهما اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات، لأن اللغة هي بمثابة روح الأمة والتاريخ هو بمثابة شعورها وذاكرتها.
وفي نظرته للدين، اعتبر أن هناك أمماً عربية لكنها غير مسلمة، وأمماً إسلامية لكنها غير عربية، فالقومية لا تتعارض مع الدين إنما الفكر القومي هو الإجماع كما أشرت أعلاه عبر هوية وحدة وطنية، لقد حرص الحصري على التمييز بين الوحدة القومية وبين الأخوة الدينية، معتبراً الدين واللغة والتاريخ أهم العوامل التي تؤثر في تكوين الأمم، فالحصري لم يجعل الفكرة القومية في تضاد مع الدين، بل أن تنأى به عن التسييس. وبالتالي تميز الفكر العربي الحديث والمعاصر حيث تجنب المفكرون العرب الخوض في المسائل الدينية، فظلوا بعيدين عن الإلحاد، ورأوا أن الخوض في الدين أمر لا طائل فيه. وعليه، نظر الحصري إلى الأمة كوحدة عضوية تمسكها روابط اللغة المعززة بالتاريخ، ودعا إلى سيادة الكيان الجماعي للأمة على الفرد، طارحاً جانباً مسائل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي باعتبارها خطوة تتسبب في الشقاق وتسبب خراب الأمة، ما أبقى فكره القومي بلا أي محتوى اجتماعي أو اقتصادي.
قال ساطع الحصري: «إنني أعتقد اعتقاداً جازماً بأن الوحدة العربية ضرورية لحفظ كيان الشعوب العربية كما أعتقد أنها طبيعية بالنسبة إلى حياة الأمة العربية وتاريخها الطويل».

الحواجز والعوائق
إن مسألة الوحدة العربية مسألة معقدة، فالحدود بين الدول برأي الحصري هي حدود مصطنعة من صنع الاستعمار الذي سعى إلى إثارة الخلافات وتقوية النزعة الإقليمية بشتى الوسائل. كما أن ثمة طائفة من الزعماء والحكام نزعت إلى المحافظة على كيان الدولة القطرية ولا ترضى بزواله لصالح دولة الوحدة.
وبالتالي إن الوحدة في فكر الحصري هي الوحدة السياسية بين الأقطار العربية، ورأى أنه ليس ثمة تعارض بين الوحدة العربية والرابطة الإسلامية أو الرابطة الوطنية أو غير ذلك من الروابط، فقد أيد الحركات التوحيدية على نحو ما شهدته سوريا ومصر والسعودية وليبيا وتحمس للجامعة العربية في بدايتها، فكان مشروع الوحدة في وعي الحصري هو المشروع نحو المستقبل، وفي ذلك يقول: «أن ثمة خيالاً هو أشد حيوية من الواقع… فالخيال قد يحمل في أحشائه الاستقبال الحقيقي وأعتقد أن فكرة العروبة والاتحاد العربي من هذا النوع من الخيال».
أخيراً، إن أفكار ومواقف الحصري، تجعل منه على الرغم من الثغرات الأيديولوجية في فكره السياسي والاجتماعي، رائداً كبيراً من روَاد الفكر القومي العربي ومناضلاً دؤوباً من أجل وحدة العرب، ما يصحح الاتجاه نحو تحقيق الأهداف العربية الخائبة، وإعادة التفكير مجدداً بالمستقبل العربي المهدد، رحل عنا هذا الفيلسوف الذي تمكّن من العودة إلى القومية، مؤمناً بقيام الوحدة العربية يوماً ما، وذلك رغم العوائق التي تقف أمامها، مخلّفاً أكثر من 50 كتاباً عربياً، معظمها عن فكرة القومية العربية، ومبتعداً عن إقحام الدين في السياسة، قد يكون من الذين ظلموا تاريخياً، وهنا نحن قمنا بالإضاءة بإيجاز على هذا المفكر العربي من باب الذكرى والتذكير بما نتفق فيه معه وهو التوق إلى وحدة الأمة العربية في يومٍ ما.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى