منوعات

سياسة صناعة «الإنسان الهش»!

هناك قول مأثور للفيلسوف الألماني «هيغل»، وهو أن البشرية لا تحل إلا المشكلات التي ترى أنها قادرة عليها، وهذا القول ينطبق تماماً على ظهور وتطور مفهوم التنمية البشرية، بل إن الدعوات الإنسانية التي أطلقها عدد كبير من المصلحين بشأن الاهتمام بالتعليم، وتقديم الرعاية الصحية، ونشر إمكانيات العلاج المجاني، لم تنتج توجّها عاما من أجل ذلك في كل بلاد العالم، بل نتج عنها اهتمام بعض الحكومات، دون الأخرى، بتقديم تسهيلات في التعليم أو بعض التسهيلات في مجال الصحة.

وكان ظهور نظرية إشباع الحاجات الأساسية، كأحد توجهات التنمية العام 1971 عن مركز «همرشلد» في السويد، بمنزلة ثورة حقيقية في فكر التنمية. وقابلها الاقتصاديون في البلدان النامية بفرح شديد واهتمام أكبر، لأن النظرية كانت تدعو إلى بذل الجهود لإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين، إلى جوار أهداف النمو الاقتصادي، أي أن نظرية إشباع الحاجات الأساسية كانت تسمح بتأخير بعض الحاجات من أجل تحقيق أهداف النمو الاقتصادي، حتى يمكن للمخطط أن يستمر في خطته لإشباع المزيد من الحاجات فيما بعد، ولكن ظهور مفهوم التنمية البشرية، الذي ربط بين أهداف النمو والوفاء بكافة متطلبات تنمية البشر، كان ثورة حقيقية في مسيرة الفكر التنموي، وذلك انطلاقاً من أسس نظرية «القدرات الإنسانية» للفيلسوف الاقتصادي «أمارتيا سن». إذن نحن في مواجهة نظرية هنا.. ومفهوم للتنمية لا يفصل بأي حال بين احتياجات البشر ومتطلبات النمو، بل يعتبر كلا منهما دالة في الأخرى، أي أن الاحتياجات الإنسانية تقود إلى النمو الاقتصادي، كما أن النمو الاقتصادي يقود إلى تحقيق الاحتياجات الإنسانية، وأصبحت هذه النظرية أمرا واقعا في بداية التسعينيات، في حين إن نظرية القدرات الإنسانية طرحت في العام 1980، كما أن «محبوب الحق» الذي يعتبر الأب الروحي لتقرير التنمية البشرية، قد وضع كتابه حول معالجة نظرية القدرات العام 1983. وكان أول قبول عالمي لما دعت إليه تقارير التنمية البشرية هو إعلان «جوميتين» من أجل التعليم للجميع العام 1995، حيث وقّع على الإعلان ممثلون لكل من البنك الدولي واليونيسكو، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ثم وقّعه رؤساء وملوك دول العالم حتى العام 2000، وبعبارة أخرى، هذا ما يقصد بالتنمية البشرية، والتي لها علاقة بالتعليم من اجل الشهادة وليس من اجل المعرفة وتطوير قدرات الفرد، وبالتوظيف من أجل الحصول على الراتب وليس من اجل العمل وتفجير الطاقات الابداعية، والانغماس في حياة وسلوكيات «الاخذ» وليس الاندماج في العمل المتواصل من اجل «العطاء»! وكل هذه طبعا نتاج لسياسات الدولة المتواصلة التي صنعت «الانسان الهش» الذي لا يكل ولا يمل من «طلب» حاجاته دائما، وفشلت – في الوقت ذاته- فشلا ذريعا في صناعة «الانسان القوي» معرفيا وعلميا وعمليا!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى