المقالات

لعبة المخالب!

الرئيس رجب طيب أردوغان قد يكون الرجل المتأرجح ما بين موسكو وواشنطن، وتل أبيب ومصر وإيران، يضع يده على أراض سورية ومن ثم توقيع اتفاقيات مع ليبيا، ويفتعل الحروب للسيطرة على ممر آمن من تركيا إلى أذربيجان، وتارة يصالح الكيان الصهيوني وتارة يغازل الجارالإيراني «العدو اللدود»، وها هو بعد القطيعة مع مصر والسعودية عاود الغزل الدبلوماسي ومن أوسع الأبواب معهما، كل هذا يجول في رأس أردوغان وخاصة بعد عملية الانقلاب التي كادت تطيح به.  والتي قيل أن المخابرات الروسية سعت إلى إنقاذه واعلمته بمخطط الإطاحة به.
من منّا لا يتذكر صورة أردوغان «والتي ظهر فيها مختباً» وهو ينادي أنصاره لإنقاذه من خلال تطبيق «الفايس تايم» على جهاز «الآي فون»، والذي حدا بالبعض للقول «أن هذا التطبيق الذي أنقذ أردوغان»، وأدت محاولة الانقلاب الفاشلة هذه في تركيا عام 2016 إلى إحداث تحولٍ في الحكم بالبلاد ليصبح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعدها حاكما مطلقا. ولكن بعد عامين ونصف العام، بدأت تنجلي الأدلة الداعمة لما شكك فيه الاتحاد الأوروبي في بداية الأمر – وهو أن الرئيس رجب طيب أردوغان كان على علمٍ بما سيحدث، ولكنه ترك الأمر يمضي كذريعةٍ له لوضع أسس نظام حكم الرجل الواحد وفق معلومات نشرها موقع «إي يو أوبزرفر».
وبحجة محاربة الإرهاب، «الذريعة الأكثر شيوعاً في العصر الحالي»، حسب السردية الرسمية التركية، نفذت في أيار/مايو عام 2019 سلسلة عمليات «المخلب»، و«المخلب 2» و«المخلب 3»، ثم «مخلب النسر» و«مخلب النمر»، وصولاً لعملية «مخلب النسر 2»، ضد حزب العمال الكردستاني، وتحاول تركيا عبر محاولات حثيثة، وضع يدها على منطقة شمالي العراق، اذ تحتفظ بأكثر من 10 قواعد مؤقتة موجودة بالفعل شمالي العراق، فيما تسعى لإقامة المزيد منها بمبرر حربها ضد المقاتلين الأكراد. وعبّر نواب في البرلمان العراقي عن قلقهم من هذه التحركات العسكرية التركية، التي قد تقود إلى وجود دائم بذريعة محاربة الإرهاب.
لقد امتهن أردوغان سياسة «دق المسامير» «من مسمار جحا»، في مجموعة من المناطق الحساسة في المحيط التركي، و«شبّك» علاقات الأتراك مع مجموعة من الدول التي تحيطها مجموعة من المتناقضات، يحاول من خلالها القفز على تناقضاتها واستعمال «مساميره» في اللحظة المناسبة، لذا تراه يستغل كل حدث وكل شاردة وواردة، والتدخل فيها، لمصلحة الدبلوماسية التركية، ووفق مقولة دأب على ترويجها الإعلام التركي، تقوم على فكرة التوسع خارج الحدود التركية وتوسيع رقعة نفوذها في المنطقة المحيطة والأبعد من محيطها، والذي يعتبر بمفهوم أردوغان أنه اكثر ضمانا لصون الداخل والحفاظ على الحدود التركية دون المساس بها، فيما لو تطورت الأمور في المستقبل، خوفاً من التحالفات الأميركية الأوروبية والتي تؤدي في ما تؤدي اليه من «تقسيم وتفتيت الدولة التركية» ،وهذا ما يؤرق المنظّرين الفاعلين في المطبخ السياسي التركي منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويروج الإعلام التركي «أن التوسع التركي في جوارها العربي هو من أجل منع تعرضها للتقسيم، فتركيا ‏حين تكون كبيرة يصعب على الغرب تقسيمها أو كما يحسبها التجار ورجال الأعمال، لندع تركيا تتوسع كما كان ‏حالها إمبراطوريّة عثمانيّة، وإذا هاجمها الغرب فستعطيهم جزءاً من بلد عربي هنا وجزءاً من بلد عربي تحت ‏وصايتها هناك، كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى وتخليها عن الشام والعراق لبريطانيا، وعن بعض بلدان المغرب ‏لفرنسا… ولهذا تضمن عدم الوصول الى الحدود التركية».
يستعيد أردوغان الآن، علاقاته مع السعودية، بعدما استغل حادثة مقتل خاشقجي إلى أبعد حدود، وهناك حوارات وتواصل عبر قنوات لإيجاد حلول وعودة الأوضاع إلى سابق عهدها، وذلك للضرورة التي أوجدتها نتائج الإنتخابات الأمريكية، ومجيء جو بايدن الذي قلب العديد من المسارات، فجعل عاليها سافلها والعكس، ولا أستبعد من أن هذا التقارب بين تركيا ومصر والسعودية ودول الخليج، من جهة، وبين تركيا والكيان الصهيوني، من جهة أخرى، يجعل تركيا الحلقة الأقوى، مقابل المحور الإيراني، وقد يقوم الأتراك بلعب دور «بيضة القبان» بالتوازنات في منطقة الشرق الأوسط و«قطب الرحى» في مقابل السياسة الأميركية، القادمة في زمن «بايدن»، فإذا ما تمت المفاوضات بين واشنطن وأوروبا من جهة وإيران من جهة ثانية، وإعادة إحياء إتفاق الملف النووي الإيراني، فسيكون في الطرف الآخر مجموعة من الرافضين المتربصين تتوسطهم تركيا التي حبكت خيوط علاقاتها مع كافة الأطراف بما فيهم الإيرانيين والروس، وسيكون دورها أساسي في اللعب على التوازنات فيما بين كافة الأطراف.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى