المقالات

من ينتشل لبنان من قعر الهاوية؟

الكل كان ينتظر الاجتماع الأخير ما بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، ولكن نتائج هذا الاجتماع جعلت الناس تتمنى لو لم يحصل أصلاً، فهم كانوا يعيشون على لحظة «أمل»، إلا أن ما جرى من شروط وشروط مضادة ومن تخاطب لغوي غير مسبوق بين الرئاستين، أدخل البلد في الحلقة السوداء في قعر الهاوية، وبات الجميع بانتظار ما ستؤول إليه الأمور وبانتظار لحظة الإنفجار التي لا يعلم أحد أين وكيف وعلى أي شاكلة ستأتي.

لا أحد في الطقم السياسي أو الاقتصادي إلا ونفض يديه وأعلن براءته مما يجري، ولا أحد منهم يعلم إلى أين؟ وإذا ما تكرم عليك أحدهم بالإجابة فستكون: الله يستر. والأنكى من هذا كله أنهم هم أنفسهم مسؤولون عمّا آلت إليه الأمور من سوداوية قاتمة ومجهولة المصير.

الفوضى المتعمدة والمصطنعة والتي تساهم فيها أجهزة مخابرات دولية وأطراف محلية، باتت كحبل المشنقة التي تلف أعناق اللبنانيين والمقيمين لحد النفس الأخير، فأٌقل مستلزمات المجتمع من دواء وحليب أطفال ومواد غذائية والمشتقات النفطية والغاز الخ.. باتت مفقودة وإذا وجدت فأسعارها ليست في متناول الجميع، والتجار يرفعون أسعارها على وتيرة ارتفاع سعر الدولار، صعوداً وليس هبوطاً، إذ لم يرتفع السعر على سلعة ما إلا وبقيت على السعر المرتفع دون نزوله، والجواب دائماً حاضر لديهم: « اشتريت على العالي وسعّرت على العالي»! إذلال متعمد، وكرامات تداس، في طوابير المساعدات، وطوابير السوبرماركت وحتى الدكاكين الصغيرة.

جشع ما بعده جشع.. وحده الله يعلم ماذا سيحصل، لا شيء في الأفق القريب ولا البعيد يوحي بحلول معقولة ولو مؤقتة حتى، ولا مبادارات محلية أو خارجية، ولا اتصالات بين الأفرقاء المتخاصمين ولا حتى همساً بين الجالسين على هامش الطبقة السياسية، الشعب ينتظر معجزة، ولكن من أين؟

في إحدى النصوص المسرحية كتبَ الأديب السوري الكبير «محمد الماغوط» حوار بين طبيب ومواطن مريض يريد استئصال كرامته: «ﻣﺸﻜﻠﺘﻲ ﺍﻧﻲ عم حس .. ﻣﺎ ﻋﺎﺩ ﺑﺪﻱ ﺣﺲ … ﺍﻧﺎ ﻣﻬﻨﺪﺱ ﻭ ﺍنخربت ﻋﻴﺸﺘﻲ، ﻭﻛﺮﺍﻣﺘﻲ ﻣﺎ عم تخليني ﻣﺪّ أﻳﺪﻱ ﻟﺤﺪﺍ ﻣﺸﺎﻥ ﻃﻌﻤﻲ ﻋﻴﻠﺘﻲ … ﻛﺮﺍﻣﺘﻲ ﻣﺎ عم تخليني ﺍﺷﺘﻐﻞ عتال … ﺑﻴﺘﻲ ﺭﺍﺡ ، ﻭﺻﻔّﻴﺖ ﺑﺎﻟﺸﺎﺭﻉ، ﻛﺮﺍﻣﺘﻲ ﻣﺎ عم تسمحلي ﺍﻗﺒﻞ ﻣﺴﺎﻋﺪﺍﺕ من حدا» … «بتصرف».

الماغوط كان يتحدث عن واقع عربي أليم ما زلنا نعيشه حتى هذه اللحظة، ولعله من أفضل الكتّاب الذين نقلوا هذا الواقع بمرارة حادة يعيشها اللبنانيون اليوم بكافة أطيافهم وطبقاتهم، وما زاد عليها في أيامنا هذه «وباء الكورونا» الذي يفتك بالناس بلا أي تفريق «يومياُ ما بين 50 إلى 70 حالة وفاة وما بين 2500 و3000 حالة إصابة جديدة»، المستشفيات مليئة ولا أسرة فارغة للمرضى، ولا دواء، واللقاحات الموجودة لغاية الآن لا تكفي لـ 5% من السكان والمقيمين بانتظار مجيء المزيد منها.

لا شيء يوحي بالإطمئنان بل بالعكس تماماً، ولا حتى «الثوار المنتفضين» باستطاعتهم أن ينجزوا خرقاً ما أمام هذه «التماثيل الحجرية» الآتية من عصر الديناصورات وآكلة لحوم البشر، حتى لو اجتمعت كل أقطاب السياسة مع «المنتفضين» على كل انتماءاتهم لن يستطيعوا أن يخرقوا جدار الحلول المستعصية في هذا النظام الطائفي البغيض.

ضبابية المشهد الراهن توحي بأن هناك شيئا ما يدور خلف الكواليس، لا أعلم إذا كان ما يعد للبنان حرباً أخرى كالتي سبقت أو مؤامرة جديدة تستهدف الكيان برمته والمنطقة من حوله، وهذا ما يفعّل أكثر «الصورة المتجمدة» «الستاتيكو» القائم بين رئيس جمهورية لن يتنحى ورئيس مكلف لن يعتذر فكلاهما داخل الحلقة نفسها.  كل شيء يرتبط بما يعدّ في الغرب من سيناريوات لتغيير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. والله أعلم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى