المقالات

الامبراطور للقيصر: أنت قاتل

أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في معرض رده على الرئيس الأميركي جو بايدن بعدما وصفه بـ «القاتل» بالقول: «القاتل هو من يصف الآخر بذلك». وذكره بأن الدولة الوحيدة في العالم التي استعملت السلاح النووي على ناس أبرياء هي أميركا، وبثقة القيصر قال «لدينا الكثير لنقوله في هذا المجال» «أتمنى الصحة له» وبلغتنا «الله يشفيه». هذه الإشارة إن دلت على شيء فإنها تدل على المنطق القوي الذي يتمتع «بوتين» بالإضافة إلى القوة العسكرية المتصاعدة لدى الجيش الروسي.
عندما يقول الرئيس الأميركي جو بايدن عن الرئيس الروسي بأنه «قاتل» فإنه عن قصد أو غير قصد أهداه هدية ثمينة، يستطيع من خلالها الرئيس الروسي أن يتلو سجلاً حافلاً من سجلات الجرائم الأميركية في حق الشعوب الأخرى منذ لحظة إنشائها وتكونها ولغاية هذه اللحظة. ولست هنا بمعرض الدفاع عن الرئيس الروسي ولكن مقارنة بجرائم الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية لا يقارن بسجل أميركا. وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أن الرئيس الأميركي فعلاً مأزوم فيما يخص علاقة الود والانسجام القائمة بين روسيا والصين والتي شكلت وتشكل الأرق اليومي المتصاعد للإدارة الأميركية، ناهيك عن حلفاء هاتين الدولتين العظميين إن كان في المحيط الصيني أو الروسي بالإضافة إلى القوة الأخرى المتصاعدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي تحافظ على تطويرعلاقاتها بهاتين الدولتين لما يخدم الثلاثي القوي في المقلب الآخر.
ذكّر الرئيس بوتين أن أميركا هي التي قصفت مدينة «هيروشيما» بالقنبلة النووية والتي ذهب ضحيتها 78150 خلال دقائق فقط عدا الإصابات والتدمير الهائل، بإشارة إلى أنها الدولة الوحيدة في العالم التي استعملت هذا السلاح المدمر للأخضرواليابس وضد الأبرياء. وغيرها من الارتكابات.
واضح كره جو بايدن للروس، وواضح أيضاً كرهه للصين وللنظامين على حد سواء، ولكن هاتان الدولتان استطاعتا تطوير قدراتهما العسكرية والاقتصادية وعززت البنى التحتية داخل مجتمعاتهما في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تلملم قواتها من المحيطات وأماكن تواجدها في أربع رياح الأرض، ناهيك عن الصراعات التي كانت طرفاً فيها، فأتت جائحة «كورونا» لتبين هشاشة النظام الصحي الأميركي وفشله في إدارة أسوأ أزمة عرفتها البشرية في التاريخ المعاصر، مما يدل على تخبط داخلي وتشتت خارجي لامكانيات دولة عظمى إن لم نقل الأعظم على وجه المعمورة في الوقت الحالي.
في مقال للبروفيسور الكندي ويد ديفس Wade Davis في مجلة The rolling stone الأميركية ، بعنوان « تفكك أميركا»، يشير ديفيس في المقال إلى نقطة ضعف أخرى خطيرة في بنية الإمبراطورية الأميركية «  الأميركيون كانوا بعد الحرب العالمية الثانية  يشكلون 6% من سكان العالم، وكانوا  يستحوذون على نصف الاقتصاد العالمي «وأنه ، كان للطبقة الوسطى  التي تشكلت في بدايات التأسيس وتعززت مكانتها في النصف الأول من القرن الماضي ، الدور الأهم  في صناعة «التفوق الأميركي»، لكن ، هذه الطبقة الفاعلة والمؤثرة ، تم تدميرها في النصف الثاني من القرن الماضي وفي بداية القرن الحالي، لصالح  فئات معينة من الأفراد والعائلات الأثرياء، والمؤسسات مثل ؛ البنوك، والأسواق المالية  الوهمية. في أميركا، يمتلك 1% من الأميركيين 30 ترليون دولار ، بينما البقية غارقة في الديون، وديونها أكبر من ممتلكاتها .
ويشير ديفيس إلى أن أحد أسباب  انهيار أميركا الوشيك يتمثل  في مغامراتها العسكرية الفاشلة في الخارج ، والتي جعلت منها أكبر دولة مدينة في العالم ، بمبلغ يصل إلى 27.5 ترليون دولار. وقد خلقت هذه المغامرات أزمات إقتصادية  واجتماعية خانقة في المجتمع الأميركي، لعل من أخطرها تفاقم ظاهرة العنصرية، والتي تتجلى في التمييز بين المواطنين  في: التوظيف، والتعليم ، والرعاية الصحية. «أن أميركا كانت تواجه على الدوام بمشاعر مختلطة ،إيجابية وسلبية،  جيدة وسيئة، ولكنها المرة الأولى التي يشعر بها العالم تجاهها بالشفقة. لقد شاهد العالم كيف كانت الكوادر الصحية في المستشفيات الأميركية  تنتظر بفارغ الصبر وصول الإمدادات من المستلزمات ، والأدوية، و الأجهزة الصينية الصنع لإنقاذ أرواح المرضى الأميركيين».
الكل في مأزق، وما يجمع بين هذه القوى على اختلافها وتنوعها الأيديولوجي هو الطمع والجشع الاقتصادي على حساب الدول الأخرى وخاصة دول العالم الثالث والفقيرة والتي لا حول لها ولا قوة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى