المقالات

صناعة «الكيد الاجتماعي»!!

لا يمكن فهم طبيعة «الفعل الكيدي»، دون فهم البنية الاجتماعية الخاصة بالشخص مرتكب هذا الفعل. على سبيل المثال، البيئة العربية وعكس البيئة الانجليزية مثلا، هي التي تقرر ماهية «الفعل الكيدي»، وما يرتبط به من «فهم اجتماعي»، والكيفية التي تدور بها أحداث هذا الفعل والأدوار الفعلية والضمنية «سواء للفاعل أو المفعول به، أو لمن يشاهد هذا الفعل دون أن يكون فاعلا أو مفعولا به»، كما أن هذه البيئة تحدد ما ينتهي إليه هذا الفعل وما يرتبط به من عقاب أو ثواب.
إن البيئة هي التي تخلق الفهم والإدراك المرتبط بالأبعاد الخاصة بالفعل الكيدي، سواء كان عن طريق الاتصال الهاتفي أو الإيميل أو الرسائل، أو توصيلها عن طريق الأفراد. ولذلك يجب تحليل وتمحيص الأسس والأبعاد الاجتماعية للفعل الكيدي الذي يرتكبه الشخص.
في المجتمع الكويتي يبرز مفهوم «الكيدية» ضمن سياق مجتمعي معقد وغامض ومرتبك. هذا السياق هو نتاج التحول المفاجئ من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد النفط، والذي ترتب عليه تحول كبير في القيم الاجتماعية، وما يرتبط بها من تصرفات وأفعال والتي هي -أيضا- معقدة وغامضة ومرتبكة. وفي كل تحول مجتمعي مفاجئ تكون الثقافة الوليدة .. عادة مشوهة المعنى والإدراك، إلا إذا تدخلت الدولة، وبقوة، لفرض نظام قيمي جديد واضح ومحدد المعالم بقصد خلق ثقافة مجتمعية محددة.
وعادة ما يفرض هذا النظام القيمي الجديد عن طريق النظام التعليمي والثقافي في المستويات الدنيا .. والنظام الاقتصادي والسياسي في المستويات العليا. ومن الأمثلة الحية على ذلك نذكر النماذج اليابانية والسنغافورية والماليزية والدانماركية والنرويجية وغيرها.
في الكويت، ساهمت دولة ما بعد النفط ليس في معالجة الجنين الثقافي المشوه، وإنما عظمت من تشويهه من خلال تأصيل ثقافة «الربادة» وما يرتبط بها من سلوكيات «الاخذ دون العطاء» والشعور بالتميز والعلو «على الآخر» .. ألخ ، ما ضخم ذلك من مسألة الارتباك والغموض والتعقيد في ثقافتنا المحلية التي أصبحت تقوم على ثلة من القيم المتوائمة ظاهريا والمتناقضة ضمنيا .
فالفعل الكيدي، على سبيل المثال، مرفوض اجتماعيا، بل يمكننا أن نقول إنه مكروه اجتماعيا، إلا أنه يمارس وبشكل لافت للنظر. هذا الأمر «رفض وممارسة الفعل الكيدي» هو نتاج لهذه الثقافة الجديدة ونسقها القيمي الحديث. بل يمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك لنقول : إن بعض الأفعال الكيدية قد تكون محل تقدير البعض إذا ما حدث، وبذلك يتم تعزيز تلك الضبابية الاجتماعية لسلوكياتنا وأفعالنا سواء الصغيرة أو الكبيرة، المفيدة أو المضرة .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى