المقالات

إن الخليفة قد أبى
وإذا أبى شيئا أبيته

هذا البيت يقوله بشار بن برد مولى عقيل وهو من الأبيات الظريفة وله قصة فقد روى الجاحظ أن الخليفة محمد المهدي نهى بشارا عن الغزل أو أن يقول شعرا في النسيب فقال بشار في ذلك:

إن الخليفة قد أبى
وإذا أبى شيئا أبيته
ومخضب رخص البنان
بكى علي وما بكيته
يامنظرا حسنا رأيت
بوجه جارية فديته
بعثت إلي تسومني
ثوب الشباب وقد طويته
وأنا المطل على العدا
وإذا غلى الحمد اشتريته
وأميل في أنس النديم
من الحياء وما اشتهيته
ويشوقني بيت الحبيب
إذا غدوت وأين بيته
حال الخليفة دونه
فصبرت عنه وماقليته

وكان إمام العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي تعجبه هذه الأبيات، وكان بشار قد دخل على محمد المهدي في بستان له بالرصافة فأنشده مديحا فيه تشبيب حسن فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت في المهدي،ولبشار بن برد في الشعر باع طويل فهو في الطبقة الأولى من شعراء الدولة العباسية وقد عاصر دولة بني أمية ومدح أمير العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة واعطاه أربعين ألف درهم ومن أجمل غزلياته ميميته التي يقول فيها:
لم يطل ليلى ولكن لم أنم
ونفى عني الكري طيف ألم
وإذا قلت لها جودي لنا
خرجت بالصمت عن لا ونعم
روحي ياعبد عني واعلمي
أنني ياعبد من لحم ودم
إن في بردي جسما ناحلا
لو توكأت عليه لانهدم
ختم الحب لها في عنقي
موضع الخاتم من أهل الذمم
وكان بشارا يكنى أبا معاذ ويلقب بالمرعث لأنه في صغره تعلق أمه في أذنه حلية وقد ولد أعمى إلا أنه كان متوقد الذكاء يحس بقلبه مالايحسه المبصرون، ومن أبياته التي سبق اليها قوله:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وكان مولد بشار بن برد في البصرة عام خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبدالملك بن مروان ووصف بأنه دميم الخلقة أعمى طويلا ضخم الجسم عظيم الوجه جاحظ العينين قد تغشاهما لحم أحمر مجدور الوجه، والمؤسف في حياة هذا الشاعر أنه مات ضربا بالسياط وقد ذكر حسب الطبري وغيره أن بشارا قال:
بني أمية هبوا طال نومكم
إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم ياناس فالتمسوا
خليفة الله بين الناي والعود
فأخبر يقوب بن داود الخليفة محمدا المهدي بما قاله بشار فأمر بأن يجلد سبعين سوطا فجلد ومات تحت الجلد، وندم المهدي بعد ذلك إلا أن السيف سبق العذل، سأل رجل أباعمرو بن العلاء : من أبدع الناس بيتا ؟ قال: الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم
ونفى عني الكرى طيف ألم
روحي ياعبد عني واعلمي
أنني ياعبد من لحم ودم
قال: فمن امدح الناس؟ قال: الذي يقول:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى
ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى
أفدت وأعداني فأتلفت ماعندي
قال : فمن أهجى الناس؟ قال : الذي يقول :
رأيت السهيلين استوى الجود فيهما
على بعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيل بن عثمان يجود بماله
كما جاد بالوجعا سهيل بن سالم
وكل هذه الأبيات لبشار بن برد، وكانت وفاته سنة مئة وثمان وستون من الهجرة ودمتم سالمين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى