المقالات

إلهي لاتعذبني فإني
مقر بالذي قد كان مني

جهاد النفس ليس بالأمر السهل آلا أنه واجب، فالنفس أمارة بالسوء والمنة على من هداه الله، والمغريات اليوم كثيرة والآتي أفظع، والهادي هو الله تعالى، والمرء لايطمئن إلا بالإيمان وصفاء النية، وليس كل انسان يستطيع مخالفة هواه إلا من جعل المولى عز وجل نصب عينيه، وأيقن أنه يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور، ورحمة الله وسعت كل شيء، فلا بقطنك أحد من رحمته، والآقرار بالذنب والتوبة من أعظم موجبات المغفرة، والتائب من الذنب كمن لاذنب له، وصاحب بيت الشعر كان منه في شبابه هنات وهنات، إلا أنه أقر بذنبه وأعلن توبته وتوجه الى ربه معترفا بذلك ثم قال:
وما لي حيلة إلا رجائي
وعفوك إن عفوت وحسن ظني
لم يعد لهذا المذنب المقر بذنبه ملجأ إلى الله آلا إليه، فقد ضاقت به السبل، ولم يجد أمامه سوى خالقه، فهو الملحأ والملاذ، وقد أحسن الرجاء فيه، لعل وعسى أن يقبل توبته ويغفر ذنوبه، ميقنا بأن حسن الظن بالله من حسن العبادة، وقد ألم بقول النبي صلى الله عليه وسلم : «يقول الله تعالى، أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني» ثم يقول هذا الشاعر متذكرا ذنوبه:
فكم من زلة لي في البرايا
وأنت علي ذو فشل ومن
وهذا اعتراف صريح بكثرة ذنوبه وخطاياه، ويقين بأن الله ذو فضل ومن، محسن متفضل على عباده، وهذه من صفات المولى عز وجل، والمنان صيغة مبالغة لكثرة نعم الله علينا، ثم يصف الشاعر حاله وهو يفكر بذنوبه وندمه عليها فيقول:
إذا فكرت في ندمي عليها
عضضت أناملي وقرعت سني
وهنا يصف لنا حسرته وندمه هذا الندم الذي جعله يعض أناملة ويقرع سنه، ولا أخال هذا الشاعر آلا وقد وصل في حسرته على مامضى الى الندامة، وهي مثل الغصة تدوم مع المرء ولاتزول، والشاعر هو ابو العتاهية اسماعيل بن القاسم بن سويد العيني نسبة لعين تمر المولود بها، سنة مئة وثلاثين للهجرة، صاحب الزهديات المشهورة والشاعر المفلق المتقدم على شعراء الدولة العباسية في وقته، وقد توفي في بغداد سنة مئتين وثلاثة عشر للهجرة في خلافة عبدالله المأمون.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى