المقالات

ماكل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لاتشتهي السفن

هذا البيت يعرفه كثير من الناس ويرددونه إلا أن السواد الأعظم منهم لايستفيدون من حكمته، فهو يدعو الى الإيمان بقضاء الله وقدره والقتاعة، فأنت تريد وأنا أريد والخالق يفعل مايريد، ورحم الله من سمع ووعى، ونصح فانتصح، ومشيئة الله هي الغالبة وهو ماض في امره، ولو حقق كل إنسان ماتمنى لجلسنا في بيوتنا وكفينا الحل والترحال، فما كل ماتتمناه تظفر به، ولاكل ماترتجيه يتيسر لك، وهذا البيت يقوله المتنبي وهو مثل من أحسن الأمثال، وهو ضمن قصيدة يقول فيها:
بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولاكأس ولاسكن
وهذا البيت رائع للغاية يصف فيه المتنبي غربته، ويشكو الزمان قائلا :بأي شيء أعلل نفسي وأنا بعيد عن وطني وأهلي، وليس لي ما أعلل نفسي فيه، فقد عدمت كل مابتسلى به، وهذا توجع على الحال التي وصل إليها في غربته بين قوم لاتشاكلهم نفسه ولاتستريح لهم فلا وطن ولانديم ولاكأس ولاسكن ويقول أيضا:
أريد من زمني ذا أن يبلغني
ماليس يبلغه من نفسه الزمن
وهذا طموح مابعده طموح فكأنه هنا ينشد المستحيل، وهذه مبالغة كعادة المتنبي، فلا الشباب يدوم ولا الخصب والربيع دائم كل شيء هالك إلا وجهه، وهنا يظهر انه يطلب من الزمان استقامة الأحوال، والزمان لايبلغ هذا من نفسه وقد ألم المتنبي هنا بقول البحتري:
تناب النائبات إذا تناهت
ويدمر في تصرفه الزمان
فهمة المتنبي لاتقف عند حد، وليس لها نهاية، وفوق مايستطيعه الزمان، فليس بوسع الزمان بلوغ مايريده ، لأن الطلب من الزمان استقامة الأحوال ضرب من ضروب المستحيل، ومعروف عن المتنبي، اعتزازه بنفسه وعروبيته وسعيه الى أعلى المراتب آلا أن كل ذلك لم يتحقق له وفاجأه الموت على حين غرة وقتل في النعمانية وقتل معه ابنه محسد وخادمه مفلح، ولم يشتهر شاعر عربي شهرته ولم يبلغ مداه ولو مد الله بعمره لأتى بالعجائب حتى أن الأمثال التي ساقها في شعره لاتعد ولاتحصى، وهو بحق شاعر العربية بلا مدافع، سبق من قبله وأتعب من بعده، ولولا المتنبي لما عرف سيف الدولة واشتهر في التاريخ العربي، وبلغ من اعتزازه بنفسه ان قال:
لابقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لابجدودي
وكان مقتله سنة 354 للهجرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى