المقالات

الشعر والالحان

رحم الله شاعر الكويت عبد الرزاق العدساني الذي وافته المنية الاسبوع الماضي. كان شاعرا وملحنا وناقدا مبدعا ومتواضعا نقيا. عرفته في مطلع الثمانينات وانا سكرتير تحرير الاخبار المحلية في جريدة الانباء. في البداية كانت الصلة كلها تنحصر في تسليمي مقاله الصحفي الذي كان يكتبه بشكل راق ومهذب وناعم وفاحص للاشياء بين السياسة والثقافة والادب والاقتصاد احيانا. ولاسباب كثيرة جمعت بيننا مودة وتقدير واحترام امتد الى محاولات منه يعلمني عزف العود. كنت اكتب الشعر وارسم الا ان للعود والناي مكان خاص في تكويني الشخصي والكيمياء البدنية والعقلية. وبذل الشاعر العدساني الكثير واعطاني فيض طويل من وقته لتعليمي عزف العود الا ان كل المحاولات باءت بالفشل وفشل مخيب للامال . وكنت اعجب من هذا الاحباط اذ كيف اكون رساما وممثلا مسرحيا ومخرجا ومؤلفا وسيناريست تارة ومحبا لاغاني فيروز وعبد الحليم حافظ وفريد الاطرش ونجاة الصغيرة، وافتقد الى ابسط ابجديات تعلم السلالم الموسيقية والعزف على العود. في تلك الفترة كنت على علاقة مباشرة مع نخبة من الشعراء في الكويت امثال محمد الفايز وفائق عبد الجليل و محمد المطيري و صالح السعيد و حمود البغيلي. كان كل واحد من هؤلاء مدرسة مستقلة لا تشبه الاخرى ولكل منهم مجالات تفوق باهر. في تلك الفترة اندمجت المنطقة برمتها باتون نيران حرب مجنونة فرضت على الخليج. وخلال نفس الفترة شاء عملي الصحفي ان ارتبط بنوع من الود والتقدير والامتنان مع كبيرا بيت الدسانية في تلك الفترة عبد العزيز العدساني الذي كان رئيسا للمجلس البلدي وهي مؤسسة لعبت دورا مهما في نقل الكويت حضاريا ومعماريا وتنظيميا مما كانت عليه من ورث مرحلة ما قبل النفط الى ماهي عليه اليوم من تميز دون كل دول المنطقة. في تلك الفترة كان فهد عبد العزيز المرزوق وهو والد رؤئيس مجلس ادارة دار الانباء للصحافة والتوزيع والاعلان والنشر، نائبا لرئيس المجلس البلدي الذي لعب دورا خلاقا في فترة حل مجلس الامة من عام 1976 وحتى عام 1981 عدما عادت الحياة البرلمانية بالمجلس الخامس. المجلس البلدي وراء تخصيص مواقع المستشفيات الحكومية الكبرى الحالية في الكويت والمحافظات ووراء الواجهة البحرية وكل الجسور والانفاق وهو الذي خصص المواقع والمساحات الكافية لاقامة المدن الاسكانية الجديدة سواء التي تولت الدولة بناء مشاريعها بكامل ملحقاتها الخدمية في تجربة هي الاخرى مبهرة على مستوى كل الوطن العربي وسألني العاهل السعودي الراخحل الملك عبد الله بن عبد العزيز مرة عما تقدمه الطويت لمواطنيها ولا يقدم بالمملكة التي كانت ولاتزال توقد مئات الالاف من ابنائها للدراسة في بعثات خارجية في ارقى الجامعات في العالم فقلت له ان الكويت تطبق برنامج البعثات منذ وقت مبكر ومن حقبة الخمسينات الا ما لا تعمله دول اخرى سواها اي الكويت هو التزام الدولة بتوفير بيت حكومي ووظيفة لكل مواطن فان شاء ان يبني بيته بنفسه لكن بدعم وتمويل من الدولة فانها توفر له الارض «القسيمة» وتوفير له «القرض» تعكلفة بناء القسيمة. واعتقد ان المملكة استفادت من تجربة الكويت في هذا المجال. بعد عودة الحياة البرلمانية اختير محمد يوسف العدساني رئيسا لمجلس الامة وتفوق يومها في انتخابات الرئاسة على احمد عبد العزيز السعدون احد افضل البرلمانيين العرب في تاريخ هذه الامة بفارق صوت واحد. فانتخب السعدون وهو شخصية عصامية خيالية في قوتها وثقافتها واستقامتها، بعد ذلك نائيا لرئيس المجلس. وجمعتني بالاثنين العدساني والسعدون علاقة احترام متبادل من خلال عملي مسؤولا عن تحرير واخبار مجلس الامة بالاضافة الى عملي في الاخبار المحلية في الانباء. في مرات نادرة بين فترة واخرى اعتاد عبد الرزاق العدساني ان يدعوني للاستماع الى اخر الحانه او كلماته الغنائية . فكنا نجلس داخل سيارته قبالة مجلس الامة الحالي في القبلة وفي المكان الذي بات يطلق عليه ساحة الارادة حاليا. لم يكن مطربا الا انه كان ملحنا مقتدرا. فكنت اردد معه بعض دندناته الموسيقية. في تلك الفترة كنت قريبا جدا من جايم خالد الداوود المرزوق وزيرلا التربية يومها الذي انتقل الى جوار ربه قبل بضعة اشهر ومن الشاعر والمحقق والاديب د. يعقوب يوسف الغنيم وكيل وزارة التربية العقل المفكر والملهم لاغلب اغاني واناشيد الحفلات السنوية للنشاط المدرسي الذي تسيد الخليح منذ اواخر السبعينات وكان يحضر حفلاته السنوية الملوك والامراء وبقية قادة دول مجلس التعاون الخليجي الذي تاسس في عام 1981 فلم يكن التي لم يكن يضاهيها او يجاريها شيء في الخليج بابداع الغنيم والمايسترو سعيد البنا ونجم الغناء في المنطقة شادي الخليج «عبد العزيز المفرج» والطالبة المطربة الموهوبة الرائعة الخلوقة «سناء الخراز» التي كانت طالبة آنذاك فيما هي مغنية كويتية ذاع صيتها بأدائها للأغاني والأوبريتات الوطنية للكويت حتى أصبحت افضل من غنى لبلده في هذا. في المرات النادرة التي دخلت فيها العراق في عقد الثمانينات لبينا انا والشاعر محمد الفايز تلبية دعوة من منظمي مهرجان المربد الشعري. المربد في جنوب العراق بالقرب من الحدود الكويتية حيث تربيت لاربع او خمس سنوات اولى من عمري الا ان المهرجان الماخوذ من ايام الثقافة المبكرة في تاريخ العرب ايام الجاهلية ومن ثم دخول الاسلام، اقيم في بغذاد لاستحالة اقامته في البصرة فيما حرب الخليج كانت تميل لصالح قوة ايران يومها. في بغداد التي اقيم فيها مهرجان المربد استقبل لطيف نصيف جاسم وزير الاعلام العراقي المسؤول عن المناسبة كل ضيوف المهرجان بما فيهم الفايز الا انه اما سهوا او تعمدا لم يتم ابلاغي وانا في غرفتي في فندق ميليا منصور عن ترتيبات استقبال الوزير للضيوف. بعد ساعة مر بي في غرفتي الشاعر محمد الفايز وسألني عن اسباب عدم حضوري فابديت استغرابي لعدم دعوتي مثل كل الاخرين . بعدها حان وقت الغداء وكان الفندق عامرا بالمطاعم الفخمة وفي احد هذع المطاعم التقيت بالشاعر الخالد مزار قباني . كان اشهر من نار على علم قال انه سمع باسمي وعرف عني عن طريق مدير تحرير الانباء التي اعمل فيها ولم يقل اسمه اول الامر الا انه عاد وقال ان محمد خالد القطمة وهو مدير التحرير الذي تتلمذت على يديه قد اوصاه باتصال هاتفي به عن طريق الشاعرة والاديبة الكويتية الكبيرة د. سعاد الصباح. اعطاني شاعر الامة يومها نصف ساعة من وقته ليسألني عن الكويت وعن الانباء وعن الصحافة والاعلام في الكويت وعن انعكاسات حرب الخليج على الحياة في المنطقة . وفتها لم يكتب من كتب قائلا انه كان يعلم ان فيروز مسيحية الا انه لم يكن يعلم انها ارثوذكسية ولم يكن يعلم ان نزار قباني شيعي علوي ولا ان بدر شاكر السياب سني، ولا ان الماغوط شيعي اسماعيلي، كما لم يكن يعلم ان ادونيس وبدوي الجبل علويان، ولا أنفارس الخوري مسيحي موضحا انه لم يكن يطترث لكون ليلى مراد يهودية. اضاف: لم أكن أتخيل نفسي يوما أنني اصنف دريد لحام وكاظم الساهر وناظم الغزالي في خانة الشيعة, ولا عمر الشريف ويوسف وهبي وفؤاد المهندس على انهم أقباط! والسبب كما يرى وافهم انه انه كبر في زمن لم تكن ادوات الاستعمار تستخدم «الدين» لعبة لسفك الدماء!!! فقد كانوا نجوما وشعراء وأدبائ لذواتهم، لا لطوائفهم …! لم يكن يدر في خلدي ان اسأل زميلي الذي يجلس بجواري في الفصل ان كان مسلما ولا من جلس قربي قي الطائرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى