منوعات

شيخ المحققين «عبد السلام هارون» في رحلة حياة «4-5»

هذا الأمر برسم المدرسة التثقيفية الأولى أي البيت، لأن لأبنائنا الحق في الافتخار بتراث أمتهم وخاصة الأجيال الأولى من القرن المعاصر أمثال الأديب والشيخ عبد السلام هارون.
ولا بد من سرد أهمية اللغة العربية والتمكن منها، خاصة وأن التحقيق علم كبير، والتحقيق في اللغة العربية هو مصدر للفعل حَقَّق، ولقد جاء في المعجم الوسيط: كلام مُحَقَّق أي بمعنى محكم الصنعة رصين، وحقّق الشيء والأمر أي أحكمه، وقال ابن الأعرابي: يقال: أحْققت الأمر إحقاقاً إذا أحكمته وصححته. وقال الزمخشري في أساس البلاغة: حقّقت الأمر وأحققته: كنت على يقين منه، وبذلك فالتحقيق في اللغة هو العلم بالشيء ومعرفة حقيقته على وجه اليقين. ويُعرف تحقيق المخطوط بما يقوم به طالب العلم من إخراج نصوص المخطوطات القديمة في صورة صحيحة متقَنة، ضبطاً وتشكيلاً، وشرحاً وتعليقاً، وفق أصول متبَعة معروفة لدى الذين يتعاطون هذا العلم، وذهب بعضهم إلى تعريفه بالقول: «هو علم بأصول إخراج النص المخطوط على الصورة التي أرادها صاحبها من حيث اللفظ والمعنى، فإن تعذّر هذا كانت عبارات النص على أقرب ما يمكن من ذلك»، من هذا الشرح نتبين أن المحقق الكبير عبد السلام هارون شغل كرسي أستاذية النحو عن جدارة، ونشر بحوثاً في النحو العربي من قبيل كتابه الأساليب الإنشائية في النحو العربي، وحقق من أمهات كتب النحو ما جعله أهلاً للتفوق الساحق في أستاذية هذا العلم، لكن اتساع مجال تحقيقاته ساعده على صياغة الأسس العلمية لكثير من الدراسات اللغوية والأدبية الحديثة.
كان الأستاذ عبد السلام هارون يملك من ذكاء الأستاذ المؤسس وفطرة الباحث المتميز، ما مكنه من صناعة مكانة نادرة لنفسه في جامعات الإسكندرية والقاهرة والكويت على حد سواء، وكان منتبهاً إلى أنه يمثل رأس مدرسة في التحقيق والنشر، وأن عليه واجب التأصيل والتنظير لهذه المدرسة، ولهذا فإننا نراه ينشر دراسات نظرية في أصول علم التحقيق، وقد عرف له بحثه المطول عن تحقيق النصوص ونشرها، الذي استعرض فيه أسرار أدائه وتفوقه، وهو صاحب الاعتزاز المعروف بعلمه وجهده، ذلك أنه كان قد نشر وهو لا يزال طالباً بدار العلوم من موسوعة خزانة الأدب للبغدادي خمسة أجزاء، لقد أثرى هارون المكتبة العربية، حتى صار رائداً من روّاد الحركة العلمية المعنية بالتراث العربي والإسلامي، حتى قيل عنه: «عبد السلام هارون محقّق الكتب العُمد، والأسفار الرئيسية في مكتبة العرب»، عمل هارون في أوّل الأمر مدرّساً بالتعليم الابتدائي، لكن سرعان ما انتقل سنة 1945 مدرّساً بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية «جامعة فاروق حينها»، فكانت المرّة الوحيدة في تاريخ الجامعات التي ينتقل فيها مدرّس من التعليم الابتدائي إلى السلك الجامعي مباشرة، فقد ذاعت شهرته بفضل ما أصدره مبكراً من مؤلّفات وتحقيقات ودراسات. ثم انتقل هارون إلى دار العلوم، وفيها أخذ في الترقي في السلك الجامعي. إلى أن جاءت سنة 1966، وفيها دُعي مع نخبة من الأساتذة المصريين لإنشاء جامعة الكويت حيث وضع منهج قسم اللغة العربية فيها.
يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى