المقالات

العبث بتاريخ المنطقة ديموغرافياً «3-3»

على سبيل المثال، اشترك داعش بتقديم التسهيل لتحقيق هذه الغاية سواء كان ذلك عبثياً أو ممنهجاً ومخططاً له، كما ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي على إثرها تم تدمير العراق، كذلك أكذوبة داعش، مع العلم أني لا أنكر وجود هذا التنظيم، لكن شخصياً أؤمن بأنه صنيعة استخبارات أميركية وبعض الدول الحريصة على التغيير الديموغرافي لها صلة بداعش، فمن حارب بداعش ودعم التحالف ضد هذا التنظيم، كل الدول التي تغير على داعش زرعت استخباراتها في المنطقة وكلها لديها أجنداتها وأطماعها في المنطقة أيضاً.
وبعد أن ضعفت بعض الدول وأنهكتها الحروب كسوريا والعراق، وليبيا إلى حد ما، لكن في الأخيرة لا يوجد أقليات وتعددية طائفية، لكن فيها هجرات لقبائل وأسر عريقة يتم تهجيرها، فما يحدث في المناطق الغربية من العراق والشرقية من سوريا هو ترجمة عملية وحرفية للتغيير الديموغرافي، ونتيجة مباشرة للصراع السياسي على الأرض الذي تتم ترجمته بعمليات عنف وتهجير قسري، وهي عمليات تهدف إلى استكمال عمليات التهجير القسري التي حدثت بعد الاحتلال عام 2003، والتي أخذت منحى تصاعدياً علنياً بعد حادثة تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء في 22 فبراير 2006، بعضها يهدف إلى تصفية بعض المحافظات من أي تنوع ديمغرافي، دينياً كان أم مذهبياً أم إثنياً، كما هي الحال في البصرة وذي قار. وبعضها الآخر يهدف إلى إعادة التوزيع الديمغرافي داخل المحافظة نفسها لإنتاج مناطق صافية طائفياً، كما هي الحال في ديالى ونينوى وبابل. ولا يزال هذا المشروع مستمراً وأهل العراق تحديداً يعلمون جيداً معنى كل كلمة في هذا الشأن، خاصة التغيير من خلال السيطرة على المناطق الدينية وتغيير الهوية الدينية والتاريخية سواء في سامراء أو غيرها.
فالولايات المتحدة كما ذكرت آنفاً حريصة على تقسيم المنطقة، والمسيطرون على العراق، لا يريدون إن تقسمت العراق أن يخرجوا دون أن يكون لهم نفوذ بشري مزروع في البلاد، فتهجير الناس بعكس ما يُروّج ليس بقصد مذهبي بل سياسي بحت، نجد ذلك مع الانتشار الكبير للمراكز الدينية التبشيرية ونشر الثقافة الأخرى المذهبية، وبالتالي لا يستطيع سكان تلك المناطق العودة إلى أراضيهم، فلو مثلاً في يوم من الأيام حاولت بعض الدول الخليجية إعادة إعمار المناطق التي تربطها معهم قرابة وصلة عشائرية وعرقية وقبلية ومذهبية لن يجد منهم أحد، وهذا بالتالي يضعف من قوة المنطقة والتغيير خطير جداً، بما يعرف بحرب المصالح.
أخيراً، إن مشروع التغيير الديموغرافي الجاري في المشرق، ومثاله الساطع اليوم في العراق وسوريا بعد التهجير الكبير الذي تعرّض له السكان هناك، لا يبدو أنه سيهدأ ما لم تقطع أذرع العابثين في المنطقة. فحين يجري الحديث عن تهجير آلاف الأسر مع نسب مهجّرين مرتفعة من مناطق بعينها، في البلدين، فهذا يؤشر دون تردّد أن من يتبع نهج التغيير مثابر ودقيق، ومن يراقب مسار التطبيع الجاري حالياً في المنطقة العربية يتأكد من النوايا الخطيرة التي يشكلها هذا النوع من العبث التاريخي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى