المقالات

جذور الفساد.. كلمة يقولها

نقل لي صديق من دولة شقيقة أن رئيس بلاده السابق إلتقى عمداء كليات القانون في قصره المنيف على النهر ،وكان حديثا فكريا ،كان الرئيس المستبد اكثر المستمعين له وذلك لدور القانون في تنظيم العلاقات بين الافراد والدولة ،وما ان انتهى اخر المتحدثين حتى اختتم الرئيس اللقاء يمقولته الشهيرة ان «القانون كلمة نحن نقولها» اي ان رأي وكلمة الرئيس هما من يحددان وجهة القانون ورجاله كيفما شاء الرئيس واينما اراد ،في اشارة واضحة لكل عمداء كليات القانون في بلاده ،وبأن دورهم الحقيقي ليس الفكر التشريعي للدولة وانما تشريع الدولة ورجالها لما يريد الرئيس… فيما كانت النتيجة لاحقا فوضى وحروبا وفقرا وهي الاغنى ،وضعفا وهي الاقوى نتيجة للحالة العبثية لفهم الرئيس الاسبق لروح القانون وعدم الاخذ بمبدأ فصل السلطات لكبح الفساد.
وعلى غرار معاصريه ،صوّر المفكر الفرنسي مونتيسكيو صاحب نظرية فصل السلطات قبل اكثر من 250 عاما بكتابه «روح القوانين « صور الاستبداد حينها بأنه خوف وذعر شديد ونوع من الأنظمة التي نشأت بين الشرقيين والمسلمين يسحق، بلا رحمة، الجماعات والطبقات الوسطى في المجتمع ،ويرغم رجال الدولة على أن يفكروا متفرقين وجهلة تقودهم روح مهزومة داخليا.
وبرأي مونتيسكيو فإن النظام الاستبدادي لا يقيم حساباً لأية فضيلة سياسية ،إذ ليس لها أيّ دور تقوم به ،ويرى أنّ المبادىء وقيم النبل والشرف خطر على النظام الذي يتأسّس على الخوف تحت ذريعة تحقيق الامن والاستقرار ،والذي يصفه مونتيسكيو بعبارة دقيقة بقوله أن الصمت الذي يحققه الاستبداد لا يعتبر رضا شعبيا ولا استقرارا امنيا وانما هو كصمت العدو الذي يرابط على أطراف المدينة بغرض احتلالها.
تشدد معظم الدراسات المتعلقة بتشخيص حالة الفساد الإداري والمالي بأنه يعود في الغالب إلى الرغبة في الحصول على استثنائات لمنافع غير مشروعة كقبول الرشوة والاختلاس وتجاوز القانون.
ومن ابرز صور وأشكال الفساد الإداري والمالي هو تعدد أشكاله ،فيما الفساد عبارة عن ظاهرة واحدة ينتج عنها ممارسات غير مشروعة خارجة عن القانون ،وتتمثل في رشوة مالية في الغالب لتمرير أو تنفيذ أعمال خلاف التشريع والقوانين.
ولعل من صور واشكال الفساد الاداري والمالي المحسوبية لصالح فرد ينتمي لحزب أوعائلة نافذة دون أن يكون له الحق في ذلك ،وكذلك المحاباة وتفضيل طرف على آخر بعيدا عن الاعتبارات المهنية والفنية والكفاءة العلمية.
ويشير خبراء مكافحة الفساد الي ان اصل الفساد يعود الي ممارسات سياسية تغيب بها الحريات ويتلاشي دور المؤسسات الرقابية ،ومحاربة الصندوق الانتخابي النظيف ،وغياب دور مؤسسات المجتمع المدني، وضعف وسائل الإعلام وغياب الرقابة والشفافية.
ومن الاسباب تراجع الاوضاع الاقتصادية المحفزة عادة لسلوك الفساد وارتفاع تكاليف المعيشة ،والتحول السريع نحو تعظيم دور القطاع الخاص على حساب القطاع العام ،وبيع المؤسسات والمرافق العامة للشركات المحلية والأجنبية ما يسمح للسماسرة بعقد الصفقات ودفع العمولات لشراء الذمم والمساومة على الملكية العامة لصالح قلة من الرأسماليين الجشعيين.
وتمثل الإجراءات المعقدة «البيروقراطية» وغموض التشريعات وتعددها وتهميش النخب الادارية من الكفاءات احد اهم محفزات الفساد ،ورجحت دراسة بهذا الصدد أن الفساد الإداري والمالي في الدولة يعود إلى سوء صياغة النصوص القانونية ،وبالتالي اكتناف غموض تلك النصوص ،ما يحفز الفاسدين على الانحراف في تفسيرها ،ويمنح الفرصة للمزيد من الفساد والاستبداد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى