المقالات

سمها ما شئت

منذ 1978 ترسخت لي قناعة بأن لا عودة لي الى العراق ،بلدي الذي ولدت وتربيت وتعلمت فيه وتعلمت الادب والثقافة والفكر والرسم والاخراج المسرحي وكتابة القصة والقصيدة النثرية ،ووضعت رجلي على اولى سلالم العمل الصحفي. وعندما اندلعت الحرب العراقية الايرانية كان التعبير عن الالم مصطنعا في ظل الخوف من عواقب كل شيء. ولم يكن في اي طرف على الساحة من يمكن ان يتفهم او ان يقرأ مابين السطور. وخلال عملي الصحفي ومع تسارع احداث المنطقة ومن ثم انفتاح بوابة الجحيم بوقوع الغزو العراقي للكويت قبل يوم واحد من عودتي واسرتي من القاهرة بعد ان انتديت لمهمة سامية نبيلة من صاحب الامر وقتها، ضاع اكبر شيء في حياتي على الرغم من كل ما عملته وحققته اعلاميا صحفيا وتلفزيونيا وسياسيا ،وهو امر افخر به وافتخر واشكر الله عليه لانه فضل الله علي اولا واخيرا ولم يكن بمقابل ابدا ،ابتداء بعملي في جريدة « الانباء» في القاهرة. ضاع مستقبل ابنائي وضاع شملنا العائلي ،اذ لم نتعود على حياة الغرب التي كنا نمر بها زيارة او سياحة او عملا. في الكويت العوائل تجتمع وتعيش معا الى ان يكبر الابناء ويتزوجون ،وبعضهم يبقى مع الاسرة ان كان هناك مكان كاف يتسع او ان يستقل بحياته الا انه واسرته لن يكونوا بعيدين الا نادرا او في حالات شاذة عن الاب العود «الجد» والام الكبيرة « الجدة» وبقية الاخوان والاخوات والخوال والعمام وهي واحدة من أكبر نعم الرحمن على الانسان ان يتربى الابناء وسط اكبر عدد من الاهل لما لذلك من فوائد ومزايا وحسنات.
. في الثاني من اغسطس 1990 انقطعت بنا السبل ،ولم يكن هناك خيار أفضل من العودة من القاهرة الى الكويت ،إلا ان ذلك بدا مستحيلا بعد ان اتضحت حقيقة النوابا وطال الاحتلال عن المتوقع. ولم يكن باي حال من الاحوال هناك مجال للتفكير في العودة الى العراق ايضا لاستحالة معيشة عيالي وأمهم ،و هي نصفي الاخر، بل اكثر في بلد يحتل بلدها. ساقني قدري للعمل في عدة جهات في مجال المهنة بعد ان تخليت عن العمل التجاري في الحي العربي في قلب العاصمة البريطانية، فتعرفت على ملوك ورؤساء وقادة ووزراء وسياسيين وادباء وفنانين لم اكن احلم باللقاء بعدد منهم. وطلب مني اهمهم بالنسية لي واكثرهم اثرا في حياتي ان اعمل معه مديرا لاعماله ،او ان اؤسس له قناة تلفزيونية حوارية واخبارية تكون قدوة وواجهة في المهنية والمنطق والمصداقية. وعرض علي اخرون العمل معهم بدرجات وظيفية وزارية وبامتيازات لا يحلم بها سواي، الا اني صدقت الاول وفضلته وعدت الى الكويت لوحدي بدون عائلتي لأؤسس لهم ما تمنيته وما حلمت به امهم وهي ام تتمنى رؤية كل الخير لابنائها. ومع اني بت على خطوات من العراق الذي لم اخف من خطورة وضراوة وقسوة الحرب العبثية التي اجزم انها افقدت البلدين المتحاربين اكثر من مليون انسان بين قتيل ومعاق ومفقود ،فضلا عن ثروة خيالية تعدت التريليون دولار وفرص ذهبية للاستفادة من عائدات النفط في بناء مجتمعات نموذجية متكاملة الخدمات وفرص العمل وورش الانتاج والزراعة والصناعة وموانئ التصدير وجامعات التعليم في بلدين ضاربين في عمق التاربخ، الا اني لم ادخل العراق الا ثلاث مرات ،الاولى في مارس 2003 بعد اجتياح الولايات المتحدة ببرنامجها الشيطاني وتركيزها على تدمير العراق وتمزيقه طائفيا بدلا من تعويض اهله عن معاناتهم ومساعدتهم على بناء قاعدة اقتصادية وصناعية تصرفهم عن كل معاناة الماضي ودروسه من التجارب الفاسدة. ومن ثم في عامي 2019 و 2020 بالطيران مباشرة من الكويت الى بغداد لاجراء لقاءات تلفزيونية ضمن برنامجي الحواري « ديوان الديوان» في قناة « صوت العرب» العربية الاخبارية الدولية التي كنت مديرها العام ورئيس تحريرها بعد ان اوكل الي صاحب اكبر فضل في حياتي ان اؤسسها له يالترتيب معه وبدعم كامل منه وبصبر يستحق الثناء منه علي وعلى القناة التي اجتذبت عشرات الملايين من المشاهدين بل اكثر من 79 مليون مشاهد« ارقام موثقة» في كل مكان في العالم في كل نشرة اخبار من ست نشرات يومية كنا نقدمها على الهواء.
كنت قبل ذلك قد عملت رئيسا للتحرير بشكل غير رسمي لجريدة « الانباء» في القاهرة التي جند لها صاحبها المرحوم خالد يوسف المرزوق كل امكاناته في مصر وخارجها ،الا انها ما كان يمكن ان ترى النور بدون جهد وتحرك ونفوذ الامير الراحل الشيخ صباح الاحمد الذي كان وزيرا للخارجية في فترة الغزو الغاشم ،يعاونه وزير شؤون الديوان الاميري آنذاك الشيخ ناصر المحمد الصباح ،الذي كان يمكن ان يكون افضل رئيس وزراء في تاريخ الكويت والمنطقة لولا ظروف وخفابا الربيع العبري ووقف العمل بنظام POT والتراجع مجبرا عن المضي في مشروع صناعات الداو كميكال والمصفاة الرابعة و ميناء ميارك الكبير ومشاريع استراتيجية اخرى. وايضا دور وسعي وخبرة الراحل الاستاذ محمد خالد القطمة. ومارست نفس الوظيفة ولكن بشكل مختلف في جريدة « العرب » اللندنية التي تركتها طوعا مرتين لاختلافي مع سياستها. وعملت في «CNN» لبعض الوقت ومن ثم محررا ومترجما لبعض الوقت ايضا في مجلة « المشاهد السياسي» اللندنية الدولية الاسبوعية اولى اصدارات هيئة الاذاعة البريطانية «BBC» قبل ان اتولى رئاسة تحريرها وكتابة افتتاحياتها التي تراعي الموقف والسياسة البريطانية ازاء اوضاع واحداث المطقة.
وبعد 7 سنوات في رئاسة تحرير « المشاهد السياسي» في لندن و9 سنوات في تقديم برنامجي التلفزيوني الحواري اليومي « الحوار المفتوح» في قناة «ANN» اللندنية ذائعة الصيت انذاك، انتقلت الى دولة الامارات لرئاسة تحرير قناة « الفيحاء» اول قناة فضلئية عراقية تأسست يعد سقوط نظام البعث الذي حكم 36 عاما بعد قناة « الشرقية » التي تأسست في اواخر التسعينات بامكانات وخبرة اكبر الا انها لم تستطع مجاراة « الفيحاء» بسبب برنامجي اليوم فيها « فضاء الحرية» الذي كان يبث على مدى 3 ساعات على الهواء ثم يعاد وكان هو اي البرنامج كل القناة تقريبا لانه فتح ابواب الحوار والتعبير والتصحيح والنقد امام كل العراقيين بدون استثناء. ولم يرق الحال لبعض اطراف الحكم الجديد في العراق ولا لبعض دول المنطقة التي تخوفت من الوضع الجديد ،فاستولى من استولى على القناة وعلى البرنامج بعد ان حوربت نفسيا لاجباري على التوقف عن الدعوة لاعادة بناء عراق جديد يقوم على العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون واحترام حقوق الانسان والايمان بالعدالة والمساواة والتعددية وكفالة كرامة الانسان وحماية الحريات العامة و منع احتكار السلطة. وعدت الى الكويت مجددا لاؤسس جريدة « النهار» بميزانية كبيرة وسخاء في المرتبات واستقلال تام في الادارة والقرار، الى ان وقع ما وقع يسبب تصريح النائب السيد حسين القلاف عن موضوع « الامير السابع عشر» الذي دخلت بسببه المخفر ومثلت امام النيابة والتحقيقات والقضاء لاول مرة في حياتي. وبعد تلك التجربة القاسية قدم لي صاحب الدار الكويتية للاعلام التي تصدر عنها جريدة « الشاهد» الغراء و قناة « الشاهد » التلفزيونية للمنوعات والبرامج الحوارية التي اثرت لغة الحوار السياسي في المنطقة، فرصة ان ابني واحدة من افضل ما حققت في حياتي وهي قناة « صوت العرب» التي لمست احسان وامتنان مالا يقل عن 8 رؤساء دول قابلتهم تلفزيونيا او التقيتهم في اطار جولاتي لاجراء وتسجيل لقاءات مع عدد من الرؤساء السابقين ورؤساء الحكومات الحاليين والسابقين ووزراء الخارجية وسواهم. وكان فحوى كل مادار في كلمات الثناء والاعجاب اشادة بالكويت التي لم تتدخل لفرض سياسة توحي بوجود مصلحة لها او انحياز او دفاع عن وجهة نظر في شان ما ،وسمحت على العكس من ذلك ان تكون القناة مستقلة «100% » في سابقة غير مسشهودة عربيا ،اذ لم تتقدم نشرات الاخبار على مدى 7 سنوات صيغة رسمية معتادة في الكويت او كل الدول العربية تبدأ باخبار استقبالات رئيس الدولة في هذه الدولة او تلك، كانت ولاتزال « صوت العرب» تبدأ اخبارها بالحدث الاهم عربيا واحيانا دوليا من اين ما كان ،وقد تخلو كل النشرات من خبر واحد عن الكويت لعدة اسابيع مالم يكن هناك خبر عربي او كويتي خليجي له علاقة بالكويت. وتركزت الاشادة على عقلية وشخصية وثقافة وبعد نظر صاحب القناة رئيس مجلس ادارة الشركة المالكة الذي لم يسع الى توظيفها او استغلالها لمصلحته لا سياسياولا تجاريا كما يفعل الكثيرون ،وايضا لرفضه عروضا مجزية ومغرية للشراكة او التمويل لثقته بان من شان علاقة من هذا النوع ان تغير رسالة القناة وان تسقط عنها الحيدة وتقلل من المصداقية، معتبرين ان «صوت العرب» تشكل ظاهرة نشاز في تجردها من العلاقات مع المخابرات واجهزة الامن والحكومات وسفارات الدول الكبرى. وكانت بقية الاسئلة على الدوام عن الامكانات الهائلة التي تتمتع بها القناة وجيش العاملين فيها من المحررين ومتتبعي الاخبار ونجوم الاخبار وخبراتهم وقدراتهم فوق التقليدية في التقديم والحوار في البرامج السياسية والاقتصادية والرياضية الحوارية اليومية مع كل صناع القرار واصحاب العلاقة والراي في كل الوطن العربي بدون استثناء. من جد وجد ومن زرع حصد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى