المقالات

هلا بقيت لسد فاقتنا
أبدا وكان لغيرك التلف

هذا بيت رثاء حزين يرثي به الحسين بن الضحاك الخليفة المقتول محمد الأمين بن هارون الرشيد، وواضح من بيت الشعر تأثر الشاعر بمقتل هذا الخليفة حتى أنه قال بعد ذلك:
فلقد خلفت خلائفا سلفوا
ولسوف يعوز بعدك الخلف
وهنا يبين أنه لن يأتي خلبفة مثل الأمين حتى أن من يخلفك لن يفعل فينا كما فعلت من الخير والعطاء ، وفعلا حرمه الخليفة عبدالله المأمون العطاء بسبب هذا الشعر، فقد روى الصولي بسنده أنه لما قدم المأمون من خراسان الى بغداد أمر أن يسمى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، فذكر له جماعة فيهم هذا الشاعر الحسين بن الضحاك، فقرأ أسماءهم حتى بلغ اسم الحسين فقال: أليس هو الذي يقول في الأمين «وذكر البيتين» لاحاجة لي فيه، والله لايراني أبدا إلا في الطريق، فانحدر الحسين الى البصرة وبقي فيها أيام المأمون، ثم لما تولى محمد المعتصم الخلافة استقدمه من البصرة فلما دخل عليه أنشده:
خير الوفود مبشر بخلافة
خصت ببهجتها أبا إسحاق
وافته في الشهر الحرام سليمة
من كل مشكلة وكل شقاق
أعطته صفقتها الضمائر طاعة
قبل الأكف بأوكد الميثاق
سكن الأنام إلى إمام سلامة
عف الضمير مهذب الأخلاق
فحمى رعيته ودافع دونها
وأجار مملقها من الإملاق
وهي أبيات كثيرة فلما أتمها قال له المعتصم:
أدن مني، فدنا منه فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه، وشاعرنا الحسين بن الضحاك كان يسمى الخليع، وهو بصري أصله من خراسان مولى لباهلة، وكان شاعرا ماجنا ولذلك قيل له الخليع، وهو من فحول شعراء الدولة العباسية، ولد سنة اثنتين وستين ومئة ،وتوفي في بغداد سنة خمسين ومئتين للهجرة، وله غزل كثير أجاد فيه وله أيضا خمريات ومديح فائق، وقد اتصل بالخلفاء العباسيين ونادمهم منهم محمد الأمين والمعتصم والواثق والمتوكل وبقي الى زمن المستعين بالله، ولما أسن قال:
أصبحت من أسراء الله محتسبا
في الأرض نحو قضاء الله والقدر
إن الثمانين إذ وفيت عدتها
لم تبق باقية مني ولا أثر
 ومن خمرياته الرائقة:
أدر الكأس علينا
أيها الساقي لنطرب
ما ترى الليل تولى
وضياء الشمس يقرب
والثريا شبه كأس
حين تبدو ثم تغرب
وكأن الشرق يسقي
وكأن الغرب يشرب
أما محمد الأمين فهو هاشمي الأبوين ،ابوه هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور عبدالله، وأمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور ، وقد قتله جيش أخيه المأمون بعد حصار طويل لبغداد سنة مئة وثمان وتسعين ،وسنه اقل من ثلاثين بعد أن مكث في الخلافة خمس سنين ،وكان اكثر الخلفاء ثقافة وعلما وسخاء ،الا أن المأمون كان اكثر منه حزما وعزما وسياسة ،ودمتم سالمين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى