الأخيرة

الإصلاح الخرطي

كما توقعت في نهاية العام الماضي ان اسعار النفط في طريقها الى كسر حاجز ال 90 دولارا ،والذي قد يستمر صعودا اذا لم تكن هناك تدخلات سياسية وصراعات وحسبات ،رغم اعتقادي ان مصلحة الاقتصاد العالمي سواء الدول الكبرى او القوى الاقليمية تتطلب المحافظة على هذه المستويات لتكون دافعا لاستمرار وتسريع عجلة الانتاج العالمي ،وتوفير السيولة اللازمة لتمويل الاقتصاديات الكبرى من فوائض ايرادات كبار منتجي النفط من دول وشركات.
هذه الاسعار ستقلل من العجز الحكومي ،وستوفر للحكومة السيولة المفقودة منذ اشهر. تاريخيا مرت حكومات الكويت باكثر من ازمة مالية بسبب انخفاض اسعار النفط ،ومع كل ازمة تطرح الحكومة ضرورة اعادة هيكل الاقتصاد وتبني سياسات التقشف المالي ،ومع بداية انتعاش اسواق النفط لايبقى من تلك السياسات الا قرارات او قوانين عادة لاتطبق، او تطبق بطريقة مشوهة تزيد من التزامات الحكومة والتي وقتها لا تعيرها اي اهتمام بسبب الفوائض المالية.
ارتفعت اسعار النفط او لم ترتفع، المشكلة الاساسية تكمن في فلسفة الدولة الاقتصادية ،والتي بدت كما ذكرت في مقال سابق منطقية ،بأن تكون الحكومة هي المسؤولة عن بناء اقتصاد دولة جديدة بمؤسسات متكاملة، فكان لابد من تبني نهج اشتراكي يقوم على مبدأ توزيع الثروة ورفع المستوى المعيشي للمواطنين والسكان من خلال توفير الخدمات الصحية والتعليمية المجانية ،وتوفير السكن للمواطنين ودعم المستهلكين بشكل مباشر وغير مباشر بخفض تكلفة المعيشة ،و توظيف المواطنين لضمان وجود دخل مضمون لهم وخلق قطاع خاص من خلال توزيع الاراضي الصناعية ،وفرض قانون الوكيل المحلي لأي شركة اجنبية ،وانشاء الشركات المساهمة بالاكتتاب العام وتأميم بعض الشركات الخاصة، واستمرت الحكومة كمحرك اساسي او تقريبا وحيد للنشاط الاقتصادي ،فهي اكبر موظف للعمالة واكبر مستهلك في السوق المحلي و اكبر مشغل للقطاع الخاص، حتى اصبحت الحكومة متخمة ومترهلة وبمنهج بيروقراطي عقيم وجهات رقابية متعددة خانقة ،و بفساد مستشر وسوء بالخدمات ،وبالطبع ميزانية ضخمة وعجز تاريخي متزايد.
الحل لن يكون بكم قانون هم اشبه بإبرة بنج مؤقتة ،ما ان يزول اثرها الا ويكون المرض اصبح اكثر استفحالا وفتكا، وهنا نعود لضرورة تغيير فلسفة الاقتصاد الكويتي، شخصيا اعتقد ان الدولة والنظام متمسكون بضرورة ان تكون الدولة هي المحرك الاساسي للاقتصاد والمهيمن عليه ،وبالتالي اي حديث عن الخصخصة وتحرير الاقتصاد سيكون عبر قوانين لن تعالج المشكلة الاساسية وستزيد من تعقيدها، وقوانين الضريبة المطروحة لن تؤدي الا الى مشاكل اقتصادية اكبر، وستسحق الطبقة المتوسطة وسترفع كلفة العمالة في القطاع الخاص وتؤدي الى معدلات تضخم متسارعة، لذا لابد من التفكير بفلسفة اخرى تقوم على مبدأ ملكية الحكومة للمؤسسات بالكامل ،او بحصة مؤثرة ،وتحويل اجهزة الدولة الى كيانات مستقلة خصوصا الخدمي منها كشركات او مؤسسات مستقلة ماليا ذات طبيعة ربحية، مثلا تحويل القطاع الصحي الى شركات عامة تعمل بمنظومة القطاع الخاص ،وتتبنى الحكومة وكل رب عمل توفير التأمين الصحي لموظفنها وعوائلهم ،فتتحول هذه الشركات من قطاع يلتهم المليارات الى قطاع يحقق ايرادات حكومية وبكفاءة اعلى ومصاريف اقل، ويتم التعامل مع كل خدمة تقدمها الدولة حسب طبيعتها وفق مبدأ التنافسية، ويكون دور الحكومة منظما لهذه الخدمات يراقب كفاءتها ويقوم سلوكها، وتنتهج نهج الدعم الموجه والمباشر للمواطنين بدلا من الدعم غير المباشر الذي اثبت فشله وتضخم فاتورته وقلة كفاءته، وهذا سيؤدي الى تنشيط القطاع الخاص وجعله اكثر تنافسية ،ويتحول تدريجيا الى قطاع خاص حقيقي لايعتمد على الحكومة في نشاطه.
اي اصلاح اقتصادي يجب ان يكون عبر منظومة متكاملة وبفلسفة واضحة ورؤية محددة قائمة على نقاط القوة التي يتمتع بها الاقتصاد او التي تمتلكها الدولة، اما نهج الاصلاح المطروح عبر بعض قصاصات الورق المجمعة من حلول مقدمة من قطاعات مختلفة او مبادرين او رجال مال او رجال اعمال او مسؤولين او باحثين هو عبث اقتصادي وليس اصلاحا اقتصاديا ،فهذا الواقع اشبه بعيادة طبية تصف دواء لكل مريض حسب وجهة نظره بطريقة علاجه وليس وفق البروتوكول الطبي والدراسات الطبية، يعني كل مريض يختار الدواء الذي يريد. ببساطة هذا مو اصلاح اقتصادي ،هذا اصلاح خرطي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى