المقالات

محمد الماغوط …الأديب الناطق باسم الشعب «2-5»


ومن أبرع من عبّر عن هذا الواقع، الأديب السوري الكبير، محمد الماغوط «1934 – 2006»، الأديب الساخر بطريقة عجز كثر عن الإتيان بمثلها، فكان صوت الشعب، وصوت الفقراء، وصوت كل من لا صوت له، وإنه لشرف كبير عن نستحضر الذاكرة وننعشها بروائع هذا الأديب، الذي لا نملّ من حضور مسرحياته، وقراءة كتبه ورواياته، هذا الأدب الذي لم يسقط بالتقادم، بل كل ما أصبح عتيقاً كلما زادت قيمته وارتفعت، هذا الكاتب الذي يعد من أبرز الكتاب والشعراء السوريين لجهة تعدد أعماله المسرحية والسينمائية، وحصد لقب أبو الشعر العربي الحر، حيث حرر القصائد العربية من الشكل التقليدي وأحدث ثورة في بنية القصيدة، كما يعتبر الشاعر السوري القومي العربي محمد الماغوط رائد قصيدة النثر العربية والتي كانت محط انتقادات كثيرة وواسعة وخاصة من لدن شعراء القصيدة التقليدية ونظرائهم في الشعر الحر الذين قللوا من قيمتها الإبداعية وحكموا عليها بالنقصان والتيهان والضعف والموت وقللوا أيضاً من شأن شعرائها وكتّابها وجعلوهم من الذين يجرون وراء وهم اسمه الشعر الحديث، هذا الأمر لم يكن مهماً بالنسبة للماغوط إذ لم يتأثر به، ولا بكل تلك الانتقادات التي كانت تحكم على قصيدة النثر وكتابها دون دراسة وتحليل عميقين قادرين على وضع سكة النقد في طريقه السليم، ورغم أن شعره كان فيه الكثير من سمات الشعر الحر، بل كان قادراً على كتابته والتفوق فيه ولكنه آثر أن يبدع على طريقته وأسلوبه الخاص ووفق رؤية أدبية وشعرية يتقنها ويقتنع بها، خاصة وأنه لم يلجأ إلى أي نظرية شعرية أو نقدية ترسم له منهجه الشعري الذي ارتأى التفوق فيه.
ولد محمد الماغوط في بلدة السلمية وهي مدينة تقع على نهر العاصي بمحافظة حماة السورية، ولأن والده كان مزارعاً، أمضى الماغوط طفولته في ظروف بائسة ومليئة بالفقر، وبعد حصوله على تعليمه الابتدائي في السلمية، انتقل إلى العاصمة دمشق في سن الرابعة عشرة، انضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وتم اعتقاله لكونه عضواً خلال حملة القمع على الحزب من قبل المخابرات السورية في عام 1955، وكانت أولى المحطات البارزة في حياته، ثم عاد للانضمام للحزب في أوائل العشرينيات من حياته، وهذا الطبيعي لشخص لطالما رفض الاستبداد من وجهة نظره، وتأليه الحاكم وفرض الأمر الواقع على الشعوب الضعيفة ودفعها إلى الحروب للموت والبكاء وإنتاج الحزن داخل البلاد وبين الناس وازدياد عدد الثكالى والأرامل والأيتام والفقراء والضعفاء والذين لا قيمة لهم في المجتمع، بل يتمنى أن يعيش الكل في سلام وطمأنينة وأن يكون لكل واحد دوره الخاص، فالقادة للحروب، والعشاق للحب، والعلماء لأبحاثهم ودراساتهم، وبالتالي فالاستبداد هو أس المشاكل في أي مجتمع ومحاربته ورفضه طريق نحو الخلاص والأمان والحرية، لذلك حوّل تجاربه تلك إلى أيقونات خالدة، فقد استطاع محمد الماغوط بقصيدته وتجربته الشعرية أن يواكب تطورات المجتمع العربي عامة والسوري على وجه الخصوص من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية تأثراً وتأثيراً، وأصبحت للشاعر القدرة على التحكم في إنتاج قصيدته التي صارت صنيعاً بين يديه وجعلها موصولة وقائمة على التغير الزمني، وأخرجها من الواحدية إلى التمامية ووصلها بطاقته الإبداعية الخالصة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى