المقالات

عراق ينتحر

ليس هنالك أبلغ من هذا الوصف لحالة العراق الحالية. ذلك أن ما يجري في هذا البلد العربي العريق الذي يقف على خلفية تاريخية يشترك فيها مع تاريخ البشرية ، لم ينشأ صدفة وهو وان كان نتيجة حتمية لسلسلة أخطاء ومغامرات ومواقف متشنجة لحكومات متعاقبة سبقت حتى الانقلاب الأميركي على الحكم البريطاني في العراق في 14 تموز يوليو 1958، إلا أن الثمن الذي يدفعه العراق الوطن والعراقيون الشعب لا يمكن أن يبرر على أنه نتيجة اخطاء فترة حكم حزب البعث أو صدام للعراق بأي حال من الأحوال. فالعراق اليوم يتعرض للسرقة والنهب وتقطيع الاوصال والسلب وتغيير الخارطة الجغرافية والبشرية واذابة الدولة وقتلها على نحو بشع وبدون رحمة ،وهي أمنية كانت تراود اسرائيل واليهودية العالمية ووجدت في الولايات المتحدة أفضل أداة لها في تنفيذها انتقاماً من دور العراقيين الاوائل في انهاء القرى اليهودية في فلسطين التي اشار اليها الرحمن على انها اسرائيل بعدما نقل سيدنا موسى اليهود من مصر تنفيذا لارادة ربانية وخلافا لرغبة الفرعون فانشق البحر وابتلع جيشه. العراق اليوم يعاني من فراغ الحكم ومن غياب الوعي وفقدان الارادة لدى الراي العام والى استفحال التنازع المسلح المحمي دينيا ومذهبيا وسياسيا وأمنيا من الخارج باسم الشرع .المراجع الشيعية والسنية والكردية على السواء اما تقف متفرجة او شريكة في جريمة التدمير الممنهج للعراق دون اي رد فعل واضح على مراحل على مصادرة كل انواع الثروة النفط والارض والمال العام والمناصب الحكومية. حتى موجات الغبار القاتل المدمر المضر للبيئة والبشر يقال الان او تكشف التقارير انه من صنع الولايات المتحدة وبالطريقة التي كشفت فيها القوات الروسية دور ومهام المختبرات ومراكز الابحاث الصحية الاميركية في اوكرانيا في انتاج داء كورونا وقبله ايبولا وربما انفلونزا الطيور وجنون البقر و موجات اخرى من الاوبئة التي تحتاج الى كميات هائلة من الادوية والى جهد دولي يجبر المجتمع الدولي على انفاق القسم الاكبر من الدخل القومي للدول لشراء الامصال وتوظيف الفرق الطبية. والان جدري القردة وقبل ذلك انفلونزا الطيور وهي الوسيلة التي تجبر اليهودية العالمية مالكة المال والتقنية المتقدمة والقوة العسكرية والطبية والصناعية بها العالم على السجود لها والتوسل اليها طلبا للعلاج كما حصل على مدى السنوات الثلاث الاخيرة التي شهد فيها العالم اكبر موجة ارباك في النقل الجوي وفي الحياة العامة في كل العالم من خلال الاجراءات الصحية المصممة لمواكبة الاجواء النفسية المصاحبة لاستشراء الوباء واجراءات الحد منه، حتى وان دفعت تريليونات الدولارات للعوائل الصهيونية الكبرى التي تحكم حتى اميركا وهي التي تختار المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية من الحزبين الجمهوري والديموقراطي وهي التي ترشح من خلال 1280 دارا لصنع القرار والابحاث والدراسات ترسم السياسة العامة لاميركا وتصيغ القوانين والتصرفات وحتى ردود الافعال واجراءات مواجهتها ، اسماء وزراء الخارجية والدفاع ومدير المخابرات المركزية والتحقيقات الفيدرالية والمجلس الفيدرالي «البنك المركزي» وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ورئاسة الكونغرس ومجلس النواب ومنظمة التجارة العالمية وجهات اخرى تشكل قلب ولب الحكومة العميقة التي تدير امور اميركا ومن خلالها تحكم العالم .
صحيفة ديلي بيست الاميركية نشرت موضوعا في غاية الخطورة عنوانه “ القتل الابيض “او ما وصف بالأسلوب الاميركي الحديث في الحروب على الدول العربية. لذلك فان تعرض العراق واغلب دول المنطقة الى عواصف ترابية مستمرة ، لاعلاقة له بالطقس وتغير درجات الحرارة او التلوث المناخي الناجم من الاحتباس الحريري وانما بما يعرف بخطة « رايت» الاميركية حسب ما جاء في الصحيفة فان الطائرات الاميركية قامت في عام 2013 برش مادة على الحدود العراقية السورية تؤدي الى فقدان تدريجي لخصوبة الارض بغية دفع الفلاحين في المناطق المتضررة الى الالتحاق بتنظيم داعش الارهابي الذي كانت اميركا واسرائيل قد هيأتا له بمعاونة طوعية من قبل بعض دول المنطقة التي لم تحسب حسابا لخطر التنظيم ومن يقف وراءه مستقبلا. المفكر الفرنسي تيري ميسان تحدث في شبكته « شبكة فولتير» عن هذا الموضوع بما اسماه « الاحتباس الحراري الخاص بالعراق» مع ان العالم برمته يدرك وعلى قناعة بأن حرب تغيير المناخ محرمة دوليا بموجب القانون. الا ان تركيا التي لها اطماع عدة في مناطق واسعة من شمال العراق ، تقطع تدفق مياه نهري دجلة والفرات اللذين عرف العراق بهما تاريخيا باسم بلاد وادي الرافدين ومنهما يتشكل نهر شط العرب ، تتحجج بأمنها المائي وبحربها على الاكراد الذين يحملون السلاح ضدها في تركيا ويوالونها ويخدمونها في اربيل وبقية مناطق كردستان العراق. وايران التي باتت المتحكم الرئيس بعائدات النفط العراقي منذ الغزو الاميركي للعراق في مارس 2003 من خلال المليشيات الطائفية المسلحة التي تحمل السلاح ضد مواطنيها العراقيين والتي تعمل تحت وصاية وارادة وادارة الحرس الثوري الايراني وفيلق القدس تحديدا حتى بات العراق جزءا تابعا لايران محكوما من قبل الولي الفقيه في بغداد والجنوب «الاغلبية الشيعية» والولايات المتحدة وتركيا وثلاث دول عربية لها نفوذها واغراضها واهدافها غير المشروعة في الجزء السني ،واسرائيل واميركا وتركيا في الجزء الكردي. انها جريمة يشترك العراقيون في تنفيذها عن دراية واصرار وليس عن جهل او خنوع فقد سقطوا في امتحان النزاهة وفشلوا في امتحان الحكم الوطني واثبتوا مدى ضعف مناعتهم الوطنية في مواجهة الاملاءات العسكرية والطائفية والاغراءات المالية ماجعل التجربة العراقية الحالية الاكثر فسادا عقليا واخلاقيا على مستوى الحكم وعلى مستوى الشارع الضالع منه بنسبة كبيرة بالعبث بحاضر ومستقبل البلاد، او الصامت على مايجري رغم معرفته بخطورة وكارثية ما يجري. وبالتالي فهم متورطون ومسؤولون بكل اطيافهم الا ما ندر منهم في تنفيذها استجابة لارادة الاجنبي ايا كان.
حسب الديلي بيست فان حرب المناخ قد اندلعت الا انها ستكون على اشدها من الان فصاعدا. وتبعا للمخطط الاميركي فأن العراق وسورية والصومال هي أولى ساحات هذه الحرب واولى ساحات التجارب التي اعد لها في مختبرات ومراكز الابحاث الصهيونية الاميركية العاملة في اوكرانيا قبل ان تكبس روسيا عليها. وسبق للولايات المتحدة ان استعملت حرب المناخ على نطاق واسع في فيتنام «1955-1973» ما ادى في عام 1076 الى توقيع اتفاقية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تقضي بحظر استخدام تفنيات التغيرات المناخية لاغراض عسكرية او لاي اراض عدائية أخرى وهو ما يعني ان الاتحاد السوفييتي السابق كان على علم بشكل او اخر عبر اجهزة مخابراته KGB بما كانت تخطط له الدوائر الصهيونية في قيادة الولايات المتحدة والغرب ، بما في ذلك التسريع باسقاط النظام الشيوعي في العالم ووضع اليد على اوكرانيا بمصانعها العسكرية الهائلة وموانئها البحرية النووية وغواصاتها وترساناتها من الاسلحة لاقامة اكبر تجمع يعودي عالمي بنازيته الجديدة، والتحول الى بناء مستلزمات وقواعد حروب المرحلة المقبلة «القتل الابيض» وهي حروب اوبئة مخلقة فتاكة وحروب جرائيم الكترونية وحروب علمية بيولوجية وتقنية بحتة تستهدف الاستحواذ على عقول البشر. وعلى هذا فان السنوات العشر المقبلة التي مر منها بضع سنوات منذ تاريخ نشر الموضوع في الديلي بست فان درجة الحرارة قد تصل في منطقتنا الى 70 درجة مئوية بعد ان جعلت خطة رابت التربة عقيمة على مساحة كبيرة جدا في المناطق التي رشتها المقاتلات الاميركية في عام 2014 بالمواد الكيميائية. في سبتمبر 1999 القيت محاضرة عن امن العالم في مرحلة ما بعد صدام في العراق. كانت المعارضة العراقية او الفصائل والفئات التي جندتها ايران وبعض دول الجوار العراقي والولايات المتحدىة واسرائيل قد رسمت خارطة طريق لتلك الفترة ظنا منها انها ستكون بديل نظام الحكم القائم يومها في بغداد. المحاضرة القيت في معهد الدراسات الامنية في احد مباني وفروع مجلس الامن القومي الاميري في كولومبس عاصمة ولاية أوهايو. وبدا ان المبنى الذي اشارت اليافطة التعريفية عند مدخله الرئيسي انه تبرع من الباحث والسياسي العراقي سعد ناجي ،ولم اكن قد سمعت بالرجل قبل ان اقرأ اسمه ولم يجبني من سألتهم عنه بأي معلومات يعرفونها عنه، جزء من مباني وصالات جامعة اوهايو التي تضم 65 الف طالب اميركي واجنبي بينهم الاف العرب، اعربت خلال المحاضرة عن مخاوفي من ان يكون مشروع التغيير في العراق قد اعد لغير مصلحة العراق والعراقيين والمنطقة. فسألني احد اساتذة العلوم السياسية في الجامعة ان كنت اعبر عن مخاوفي من سقوط صدام حسين وحزبه الحاكم والنسبة التي تتبنى مثل هذه المخاوف من العراقيين. فاجبت باني خرجت من ثوب العراق قبل 6 سنوات من الحرب مع ايران و26 عاما من كارثة غزو الكويت ، وبالتالي اشعر واتابع حجم معاناة العراقيين من هذه الفواجع والالام ومعها ما اضافته العقوبات والحصار الدولي من الام اضافية وخنق متعمد للاقتصاد والتنمية وفرص العمل ومستوى التعليم وحاجة العراقيين العلماء والباحثين والادباء والمفكرين ورجال الاعمال والاطباء والاكاديميين الى التواصل مع العالم والمشاركة في المؤتمرات والبعثات ،وهو ثمن يدفعه الشعب ونسيجه الاجتماعي من كل فسيفساء العراق الاثنية «العرقية». سألني ماذا يريد العراقيون؟ قلت :تغيير سلمي وحرية في ادارة امور البلاد بوساطة حكومة منتخبة من اصحاب المؤهلات والخبرة والنزاهة. يريدون دولة مدنية تعددية تحترم الانسان وتكفل كرامته وتضمن المساواة بين افراده. عراق حر ديموقراطي علمي قادر على استعادة ريادته الصناعية والزراعية والفكرية وبناء دولته المتحضرة الجديدة التي تستطيع الاعتماد على نفسها بالاكتفاء الذاتي في كل ما يمكن تحقيقه من متطلبات اساسية لعيش كريم. كان تخوفي في ،محله والان وبعد 20 سنة من الاجتياح او المؤامرة الاميركية العراق مهدد بالفناء ،وعلى دول المنطقة ان تواجه هجرات محتملة بالملايين من العراقيين اليها هربا من كل شيء يسود ويحكم بلادهم. الشعوب لا تحتاج الى معجزات بل الى فرص تتنفس فيها الصعداء وتستنشق الحرية «التنقل والحياة والعمل والاعتقاد ووووو». في وقت ما ادمعت اعين 10 الاف متفرج حضروا وقائع مسابقات بطولة العالم في التزلج على الجليد في هلسنكي ما وصف بالاداء الاكثر روعة في تاريخ هذه الرياضة. بابو الراقص الذكر كان اعمى منذ طفولته بسبب حريق شب في المنزل. احتجزته والدته بين ذراعيها وقفزت به من الطابق السابع. ماتت الام. واصيب الطفل بالعمى جراء نزيف في عينيه. كانت والدته متزلجة على الجليد قبل الحادث. وكان الصغير يتعلم منها بشغف كيف يصبح متزلجا. وعلى الرغم من انه نشأ بعد الحادث اعمى تماما الا انه واصل التدريب على الرقص على الجليد بحماس. وفي البطولة التي اقيمت في عاصمة فنلدا قدم بابو مع شريكته بطلة العالم عرضا خياليا وظف فيه امكانية قياس الصوت المحيط والمسافة مثل الخفافيش ،وادى الاثنان رقصة التانغو الشهيرة «La Cumparsita» دون ان يعلم اغلب الناس ان جسد بابو يعاني من 22 كسراً. كسور العراق أكثر لكن العراق شعب ووطن وتاريخ وامكانات وخيرات ، فهل يبقى العراق ام يتحول الى ركام كما تريده الدولة العميقة التي تحكم اميركا وتحكم العالم وتحكمها عائلة روتشيلد وشركاؤها؟!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى