المقالات

ختم كربلاء

كان مهرجان «المربد الشعري» في العراق الذي تأتى لي أن أحضره برفقة الشاعر الكويتي الكبير محمد الفايز مؤلف اوبريت «مذكرات بحار «الذي أخرجه محمد السنعوسي في عام 1979 وأنشده المبدع عبد العزيز المفرج «شادي الخليج» ضمن احتفالات الكويت بعيدها الوطني، أول وأكبر وربما أهم مناسبة شعرية أحضرها في حياتي في العراق او في خارجه. كنتُ أكتبُ الشعرَ الحر أو النثر تأثراً بالشاعر الكبير بدر شاكر السياب ،لكني كنت امارس هذا الأمر من باب الهواية وكنت ارسم واكتب القصص والمسرحيات ،وأخرجت في آخر سنوات التعليم الثانوي في ثانوية العشار مسرحيتين عن فلسطين « 1970 » ومسرحية ثالثة « فكاهية» في السنة الأولى في كلية آداب جامعة البصرة « 1971» ثم انصرفت للعب كرة القدم والمشاركة في معارض الرسم بالفحم والزيت والنحت بالطين والمواد الصلبة. وحضرت مهرجان المربد الذي اقيم في بغداد في صيف عام 1985 في منتصف سنوات الحرب ، صحفيا والفايز مشاركاً ،وحضره لفيف من خيرة الشعراء العرب ممن لم يتم ادراجهم في قائمة معارضي الحرب العراقية الايرانية او معارضي النظام في العراق يومها. كان العرب كل العرب وليس الشعراء فقط منقسمين بين من هم ساخطون على الحرب المدمرة غير المجدية االتي دفعت بالزعيم الليبي «الأخ» العقيد معمر القذافي « كما يحلو له ان يطلق عليه» يومها إلى تزويد طهران بالصواريخ التي دكت بغداد على الرغم من انه قال لي شخصياً على هامش قمة عمان العربية بعد ذلك بثلاث سنوات انه يعتقد أن أصل قبيلته يعود إلى العراق وأنه فخور باي امتداد حقيقي لليبيا برمتها بالعراق وليس به فقط او بعائلة «القذاذفة» التي ينحدر منها الى العراق.
في المربد وكان المهرجان الخامس تسنى لي أن ألتقي مصادفة مع الشاعر نزار قباني والشاعرة الكبيرة د. سعاد الصباح. وأنا وإن كنت فخوراً مثل كل عربي بالدكتورة سعاد لآلاف الأسباب فأني معجبُ أيما إعجاب بالشاعر الفذ نزار قباني. ولي اسبابي في ذلك. لم يكن مهرجاً ولا ملفقاً ولا سارقاً ولا مقلداً ولا انتهازيا ولا متسولاً . قباني القى في بغداد يومها قصيدة قد لا يقولها شاعر عربي بعده وقد يفقد حريته أو حياته بسببها ،وقد يختفي أثره تماما كما حصل مع الامام موسى الصدر، ولكل منا مسماه الذي انقطعت اخباره بعد وصوله الى ليبيا في 25 اغسطس 1978 وسألت القذافي هاتفيا بعد 14 سنة من ذلك «2002» وانا اقدم برامج تلفزيونية في «ANN» عن حقيقة علاقته باختفاء الصدر فنفى أو أنكر معرفته أو دوره ،والأمر المؤكد الآن ان الرجل لم يعد على قيد الحياة وان من يهمهم أمره لايريدون أكثر من معرفة حقيقة ما جرى. أيضا اسباب كثيرة لمحتوى ومنطق قصيدة نزار تستحق ان تخلد شعره ومواقفه ، لجرأته فيها. ووضوح الكلمات والمغزى الظاهر والباطن، وقوتها وبلاغتها بشكل عام. ومن البديهي ان سر قوتها يكمن في عدم تضمنها اية اشارات مديح او تعظيم لصدام حسين الذي كان الكل يتمجد به ،والذي قال لي الرئيس الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات وانا امزح معه في لندن إن كانت الرعشة التي انتابته « مرض باركنسون ديزيز Parkinson’s disease » لها علاقة بالخوف من صدام فقال : ما من أحد من القادة العرب لا يحسب حسابا لرئيس العراق ،فكل موازين القوة والقدرة على البطش تميل لصالحه ،وكل اصحاب النفوذ في العالم وقادة الدول الكبرى الدول العربية المختلفة مع ايران كانت تدعمه بدون حدود. ضحكت وقتها وقلت : لاشك ان لتنظيم صبري البنا – ابو نضال _دورا في ذلك». لذلك ُمنعت قصيدة « جلودنا مختومة بختم كربلاء» وهو عنوان قصيدة نزار قباني ، من النشر وتم التعتيم عليها. ولم تتناولها الصحف العراقية التي كانت تمجد نزار في بعض الوقت وصدام كل الوقت بالطبع. لا أعرف إن كان نزار قباني ينحدر من اصول شيعية ولم أكن أهتم بامور مثل هذه. ولا أعرف إن كان قد تعرض إلى عقوبات قاسية ومقاطعة مثل الفنان الكبير دريد لحام الذي دفع ثمن ذلك. ولا يهمني موقف أو مزاج أو أياَ كان ما سيقال عن اختياري عنوان هذا المقال ،فقد دفعت واسرتي ثمن وقوفي مع الكويت وعملي معها أيام الغزو ومشاركتي في مقدمة صفوف تظاهرات مصر وشوارع الدقي تحديداً في القاهرة ضد ما حصل ،واسهامي في كتابة كلمة الأمير الشيخ جابر الأحمد التي القاها أمام الامم المتحدة في 27 سبتمبر بعد 57 يوماً من وقوع الغزو الغادر. وعملت رئيساً لتحرير أول صحيفة كويتية في المنفى « الأنباء في القاهرة في اغسطس 1990» وقدمت مئات الحلقات التلفزيونية في لندن « بدون مقابل أو توجيه» دعماً للكويت وانتقاداً للغزو وصدام . وغامرت بسلامة أهلي في العراق ومستقبل ابنائي. وقال لي أحد قادة المنطقة إني بعت نفسي للشيطان يوم أن وقفت ضد صدام . وتعرضنا لاطلاق النار في منطقة العجوزة في مصر في 24 ديسمبر 1990. ومع ذلك، لم يذكرنا أحد وتناسانا حتى من طلب مني العودة ورشحني وأبنائي للحصول على الجنسية الكويتية ،وكان هو صاحب القرار وانش،غل عني وقال عني احد ابناء الاسرة « جاؤوا بك وتناسوك» ولا أنكر ولا أخاف و اي ثمن مدفوع أن أذكر أن الشيخ ناصر المحمد فقط من حاول ان ينجز منحي الجنسية إلا أنه أوقف ،ومن ثم حاول الشيخ جابر مبارك الحمد لانه زارنا في القاهرة في مكاتب ومطابع الاهرام أيام الغزو يوم كنت أدير تحرير «الأنباء» قبل أن نتعاون أنا وأخي واستاذي الراحل محمد خالد قطمة في إعداد تصور إصدار جريدة « صوت الكويت» في لندن بعد الانباء. لكن المهم والمفيد وتوثيقاً للتاريخ الآن هو ذكر ما قاله نزار قباني في قصيدته التي أكرر أن لا أحد سيقول ربع او أقل من ربع ما ورد فيها من تشخيص لبعض لا كل علل الأمة . نزار قال : مواطنون دونما وطن، مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن، مسافرون دون أوراق… وموتى دونما كفن، نحن بقايا العصر. كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن. نحن جواري القصر. يرسلوننا من حجرة لحجرة. من قبضة لقبضة. من مالك لمالك. ومن وثن الى وثن! نركض كالكلاب كل ليلة .. من عدن لطنجة.. نبحث عن قبيلة تقبلنا .. نبحث عن ستارة تسترنا.. وعن سكن …. وحولنا اولادنا … احدودبت ظهورهم وشاخوا … وهم يفتشون في المعاجم القديمة … عن جَنة نظيرة … عن كذبة كبيرة …. كبيرة . تدعى الوطن. ….. مواطنون نحن في مدائن البكاء.. قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء … حنطتنا معجونة بلحم كربلاء, طعامنا .. شرابنا .. عاداتنا … راياتنا .. زهورنا.. قبورنا… جلودنا مختومة بختم كربلاء، لا أحد يعرفنا في هذه الصحراء ، لا نخلة .. ولا ناقة ، لا وتد .. ولا حجر، لا هند .. لا عفراء، أوراقنا مريبة .. أفكارنا غريبة، اسماؤنا لا تشبه الأسماء …. فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا ، ولا الذين يشربون الدمع والشقاء ……. معتقلون داخل النص الذي يكتبه .. حكامنا ، معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا ، معتقلون داخل الحزن… وأحلى ما بنا … أحزاننا، مراقبون في المقهى.. وفي البيت وفي أرحام أمهاتنا!! ، حيث تلفتنا وجدنا المخبر السري في انتظارنا، يشرب من قهوتنا، ينام في فراشنا، يعبث في بريدنا، ينكش في اوراقنا ، يدخل في أنوفنا، يخرج من سعالنا، لساننا … مقطوع ، ورأسنا .. مقطوع، وخبزنا مبلل بالخوف والدموع، إذا تظلمنا إلى حامي الحمى ، قيل لنا : ممنوع، وإذا تضرعنا إلى رب السماء ، قيل لنا ممنوع، وأن هتفنا..يارسول الله ، كُن في عوننا ، يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع! ، وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة ، الأخيرة … أو نكتب الوصية الأخيرة، قبيل أن نموت شنقاً، غيروا الموضوع، يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية، ياكرة النار التي تسير نحو الهاوية، لا أحد من مضر … أو من بني ثقيف، أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف، زجاجة من دمه، أو بوله الشريف! ، لا أحد على امتداد هذه العباءة، المرقعة، أهداك يوماً معطفاً أو قبعة، يا وطني المكسور مثل عشبة الخريف، مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا ، مهجرون من أمانينا وذكرياتنا، عيوننا تخاف من أصواتنا، حكامنا آلهة يجري الدم الأزرق في عروقهم، ونحن نسل الجارية، لا سادة الحجاز يعرفوننا ، ولا رعاع البادية، ولا أبو الطيب المتنبي يستضيفنا …ولا أبو العتاهية، إذا مضى طاغية سلمنا لطاغية….. مهاجرون نحن من مرافئ التعب، لا أحد يريدنا، من بحر بيروت إلى بحر العرب، لا الفاطميون … ولا القرامطة، ولا المماليك … ولا البرامكة، ولا الشياطين… ولا الملائكة!! لا أحد يريدنا، لا أحد يقرؤنا ، في مدن الملح، التي تذبح في العام ملايين الكتب، لا أحد يقرؤنا، في مدن صارت بها مباحث الدولة ، عرٌاب الأدب …. مسافرون نحن في سفينة الأحزان، قائدنا مرتزق، وشيخنا قرصان، مكومون داخل الاقفاص كالجرذان، لا مرفأ يقبلنا، لا حانة تقبلنا، كل الجوازات التي نحملها، أصدرها الشيطان، كل الكتابات التي نكتبها، لا تعجب السلطان، مسافرون خارج الزمان والمكان ، مسافرون ضيعوا نقودهم وضيعوا متاعهم ، ضيعوا أبنائهم .. وضيعوا اسماءهم.. وضيعوا انتماءهم ، وضيعوا الاحساس بالامان، فلا بنو هاشم يعرفوننا … ولا بنو قحطان، ولا بنو ربيعة … ولا بنو شيبان، ولا بنو «ريغان» ، يا وطني.. كل العصافير لها منازل، إلا العصافير التي تحترف الحرية ، فهي تموت خارج الأوطان، لم يبق فيهم لا أبو بكر … ولا عثمان، جميعهم هياكل عظمية في متحف الزمان، تساقط الفرسان عن سروجهم ، وأعتقل المؤذنون في بيوتهم، ، وأُلغي الآذان ، جميعهم تضخمت أثداؤهم وأصبحوا نسوان !! جميعهم قد ذبحوا خيولهم وارتهنوا سيوفهم وقدموا نساءَهم هدية لقائد الرومان، ما كان يدعى ببلاد الشام يوماً ، صار في الجغرافيا … يدعى «يهودستان» .
بعد الأمسية مباشرة عُدنا أنا والشاعر المرحوم محمد الفايز إلى الكويت، والظريف ان تعليقي لتلفزيون بغداد يومها عن المربد وقصيدة نزار كان موضع عدم رضا وعدم استحسان من قبل وزير الاعلام العراقي يومها نصيف جاسم الذي سبق الامسية والقصيدة بأن تفادى مصافحتي عندما تم تقديمنا له ضمن وفود الادباء والشعراء والصحافيين ،ولم يكن بيننا اعلاميون يومها من القنوات الفضائية العربية التي عملت ببعضها فيما بعد ، وصافح من سبقني ومن جاء ترتيبه بعدي، ولم أكن قد قابلته من قبل او التقيته في أي مناسبة . وعرفت بعد ذلك أن قصيدة نزار « ختم كربلاء» لم تنل الاحسان ،وأن الشاعر الكبير يرحمه الله لم يعد موضع ترحاب لانه لم يمجد ولم يعظم ولم يسجد لحاكم بغداد. عُدنا الى الكويت يومها ولم ندخل بغداد بعدها ،إلا أن نزار ظل كما هو نجماً في سماء الشعراء ،ولا أعتقد انه كان سيأبه لما كان يمكن أن يقال عنهُ في الاطراء أو الذم بسبب قصيدة عصماء ،لا اظن أن مثلها سيُقال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى