المقالات

خذ… أي

كنت مغرماً بالراديو، ففيه أجد ما أحب واشتهي من الأغنيات والتمثيليات والبرامج، ومن خلال منوعاته أحقق ما أحلم به، وما تصبو اليه طموحاتي، فحين اسمع خطابا ناريا – لزعيم عربي طبعا – ارى نفسي ذلك الزعيم، أقف امام الجماهير الهادرة الهائجة، اسلخهم بالعبارات المزلزلة وهم يهتفون بحياتي ويتغنون باسمى المحاط بالألقاب والمزايا الذهبية.
وحين يبث الراديو اغنية عاطفية لمطرب مشهور، اجدني وقد اصبحت ذلك النجم، أدندن بالعود وأجود بالألحان الشجية، فتتساقط الفتيات امامي كالذباب.
ولا شيء يمنعني من التحول الى منصة التلاوة، حين استمع الى الشيخ عبدالباسط وهو يبدع في تجويد آيات الذكر الحكيم، فأرى نفسي بالعمامة والقفطان وهيبة المشايخ، اتلو ما تيسر لي وأمامي الآلاف الذين يغص بهم المسجد – رغم رحابته – وهم في قمة التأثر والخشوع.
أما التمثيليات فقد كان لها شأن آخر، فهي الوجبة الشهية التي لا آمل من التلذذ بها، وبخاصة تلك التي تستعرض احداثاً تاريخية تتحدث عن بطولات العرب وصولاتهم وجولاتهم، ولا اكاد اسيطر على اعصابي حين ينقل الراديو ملحمة حربية، حيث تختلط فيها اصوات سنابك الخيل، وصيحات المحاربين، وقعقعة السلاح، وتبلغ الانفعالات ذروتها حين يواجه القائد العربي – الشجاع طبعا – خصمه الاجنبي ثم يصرخ في وجهه: جاء دورك يا عدو الله ،ويردفها بالكلمة المدوية المجلجلة: خذذذذذ .ويأتي الرد سريعاً من عدوه: أي ي ي ي ي ، وذلك ايذانا بأن الطعنة وصلت، وانها اصابته في مقتل.
كنت اتساءل: ما سر هذه القوة الاسطورية لدى اجدادنا العرب؟ وكيف استطاعوا ان ينتصروا في كل الحروب ويهزموا كل الاعداء؟
وفجأة يلسعني سؤال خبيث: لماذا إذن – نحن الاحفاد – نتجرع الهزائم في كل حرب، ونخسر في كل معركة؟ ولماذا وصلنا الى هذا المستوى من الخنوع والذلة؟
عرفت الجواب بعد سنوات من الوهم والأكاذيب.
عرفت ان اجدادنا لم يكونوا بتلك الصورة الزاهية التي نقلتها لنا الراديوات، وزخرفها لنا المخرجون، وابدع في تقديمها الممثلون، وراعني ما وجدته خلال قراءاتي لتاريخنا العربي اننا كنا مهووسين بالدسائس والمكائد والخلافات، وأن سيوفنا شبعت من دمائنا، وان امجادنا بنيت على جماجمنا، وان اساطير انتصاراتنا ليست موجودة الا في تمثيليات اذاعاتنا العربية.
انا واثق انني سأقول لكل من يقرأ هذه المقالة: خذ، لكن بالتأكيد لن يكون جوابه: أي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى