المقالات

العولمة ومستقبل الدولة القومية

لقد أصبحت العولمة اليوم في أبعادها المختلفة بمثابة المنهج الاقتصادي الكوني الجديد، لها منظروها ووصاياها، أتباعها وعرابوها. شعارها وحدة السوق والفكر تحت مسمى الليبرالية الجديدة، وعليه فإن مصطلح الدولة والأمة الذي برز بقوة بعد الحرب العالمية الثانية قد أصيب بضرب التراجع، فمع صعود رأس المال اللامتناهي بعد نهاية الحرب الباردة أسهم ذلك بالازدهار في التدفقات المالية العابرة للأوطان متجاهلا الحدود ومهملا بسخرية سيادة الدول، يرى «بريجنسكى» الذي شغل منصب مستشار الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» لشؤون الأمن القومي، أن الدولة تراجعت، فالبنوك الدولية بمؤسساتها والشركات غير الوطنية تنشط وتخطط بما هو أكثر تقدما من المفاهيم السياسية للدولة، وحيث أنه نجد كلما تراجعت الدولة عن سياستها ازدادت الأهمية النفسية القومية الجماعية.
فمع التطور المتلاحق للعلاقات الدولية أمسى التكامل والتلاحم حقيقة وضرورة قصوى لا يمكن إنكارها. وفي هذا الشأن نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثانية، الفقرة الأولى على أن تقوم الهيئة على أساس مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها ،وهو نص يبين أن التنظيم الدولي يقوم على أساس الدولة ذات السيادة، وتمتع كل دولة بكامل الحقوق المتفرعة عن السيادة، وأنه يجب احترام سيادة الدول، وشخصيتها، وسلامة أراضيها، واستقلاها السياسي.
فما الذي غيرته العولمة أو تبشر بتغييره؟
بفعل العولمة تم تزايد الاعتماد على «الاقتصاد المتبادل» بين الدول مع تزايد في حجم البضائع والسلع وتزايد في نوعيتها، وترافق هذا التبادل التجاري مع خفض الضرائب وتقليص الحماية الجمركية الأمر الذي جعل من السوق يتحول من « دائرة التبادل والتوزيع الى عالمية دائرة الإنتاج «، وانعكست العولمة من الناحية الاقتصادية على إقامة نمط واحد وتعميمه على جميع دول العالم وهو النمط الرأسمالي .
وفي ظل سيطرة السوق على العولمة الاقتصادية فإن ذلك خلق فجوة بين البلدان الغنية والفقيرة وبالرغم من إنشاء اتفاقية «الجات» وإنشاء المنظمة العالمية للتجارة من أجل تقليل الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة الناتجة من العولمة إلا أنها لم تفلح في الحماية من سلبيات العولمة والذي دفع الأمين العام السابق للأمم المتحدة «كوفي عنان» الى أن يصرح بما يلي « أن الملاين يعيشون العولمة ليس بوصفها فرصة مواتية لكن بوصفها قوة تدمير وتعطيل وبوصفها اعتداء على مستويات معيشتهم»، ومن هنا نلاحظ أن الاقتصاد هو أهم الانعكاسات الناتجة عن العولمة وتأثيراتها هي التي تتربع على سلبيات الظاهرة، لان هذا الاقتصاد تديره « نخبة بمثابة طبقة عالمية جديدة « والمقصود هم المجتمعين في «دافوس» والذين يجعلون من اقتصاد السوق والليبرالية الاقتصادية الأساس لعملهم وتطلعاتهم وبهذا يكون الاقتصاد هو أساس العولمة وما الجوانب الأخرى سوى إفرازات وانعكاسات لاقتصاد السوق المعولم .
كما شكلت العلاقة ما بين الدولة والعولمة إحدى أهم نقاط الخلاف والتباين ما بين الباحثين والكتاب في العالم لما للعولمة من انعكاسات على العديد من الأصعدة الأمر الذي جعلهم يقفون على مفترق طرق حول طبيعة هذه العلاقة، فقسم يرى في العولمة أنها أذابت سيادة الدولة وقلصت من نفوذها وسيطرتها على حدودها السياسية الأمر الذي جعلها عرضة للتدخل الأجنبي وتدخل الشركات متعددة الجنسيات في شؤونها الداخلية، أما القسم الثاني فيرى في العولمة أنها لم تفقد الدولة مكانتها وأهميتها ولكنها غيرت من وظائفها والتي تتغير باختلاف الأزمان والظروف.
في حقيقة الأمر فإن الدولة القومية لاتزال قوية وتتمدد ولم تنل منها العولمة، فقد برهنت جائحة فيروس كورونا عن ذلك حيث لجأت مختلف الدول الى التقوقع على نفسها ومنع تصدير بعض المنتجات، حتى الاتحاد الأوروبي الذي يُفترَض أن لديه «سوقا موحّدا» وتجارة حرة غير مقيّدة ضمن الدول الأعضاء، قد أغلق حدوده في وجه بعضه.
يعاني صناع السياسة حول العالم في التعامل مع فيروس كورونا ونتائجه، حيث سيكون عليهم مواجهة حقيقة أن الاقتصاد العالمي لا يعمل كما كانوا يتخيلون. فالعولمة تنادي بالتخصصية المتزايدة في أرجاء البلدان كنموذج يكتنف على العديد من المزايا، لكن نقاط ضعفه مذهلة أيضا، حيث يمكن لمزود الخدمة الوحيد، أو مناطق محددة في العالم تختص بمنتج واحد فحسب، أن يتسببوا في هشاشة مفجعة في أوقات الأزمات بانهيار سلاسل الإمداد.
ولعل النتيجة تكون تحولا في السياسات العالمية، فقد تقرر العديد من البلدان بما أن صحة وسلامة مواطنيها على المحك أن تحظر الصادرات أو تصادر إمدادات ضرورية للخارج، حتى إن عنى الأمر إلحاق الضرر بدول حليفة أو جارة لها. ويمكن لانسحاب بهذا الحجم من العولمة أن يحوِل السخاء إلى أداة أكثر فعالية في التأثير للدول التي تستطيع تحمل تكلفتها.
ما يقوم به الدليل على أن عصر القوميات لم يتصرم بعد، حتى في المجتمعات التي حققت تراكما قوميا طويلا مثل المجتمعات الغربية، عكس ما ظن الكثيرون. وهو لم يتصرَّم حتى في ظل أشد عواصف التوحيد القسريّ الهـوجاء: العولمة.
إنّ الفكرة «الأُممية» و»الكونية» ليست سوى أمنية عند الحالمين بها من ذوي النزعات «الإنسانية»، أما عند القوى الكبرى فلا تعدو أن تكون اسما حركيّاً للدولة القومية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى