المقالات

الإمام يحيى بن معين … رائد علم الجرح والتعديل «2-5»

ولذا عني به العلماء سابقاً ولاحقاً، وعدّوه من الدين؛ فبذلوا في ذلك جهوداً كبيرة، فالسند في اللغة: ما ارتفع من الأرض، والسند في الاصطلاح: هو طريق متن الحديث، وهو «سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحداً عن الآخر، حتى يبلغوا به إلى قائله»، بالتالي، يكون الإسناد: هو حكاية طريق متن الحديث، وهو مصدر من قولك أسندت الحديث إلى قائله، حيث أن أهمية الإسناد تكمن في معرفة صحة الخبر وضعفه؛ فإن كان السند ضعيفاً حكموا بضعفه، وإن كان صحيحاً حكموا بصحته، وتتضح أهمية الإسناد من العناية الكبيرة منذ فترة مبكرة من بزوغ فجر الإسلام، بداية من عهد الصحابة والتابعين، في شتى العلوم، وهذا المنهج اختص به العلماء المسلمون دون غيرهم، إمعاناً في التحري وزيادة في التثبت، وهذا يعطي النص المنقول زيادة في القوة ومصداقية في القبول؛ فنجد الصحابة والتابعين يرحل أحدهم إلى أماكن بعيدة، للتأكد من صحة خبر منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، طلباً للعلو في الإسناد، وتثبتاً من الراوي الذي يروي ذلك الخبر، لذا اهتم العلماء من بعدهم بالإسناد، واتخذوه منهجاً، أحكموا به رواية ما ينقلونه، وعدّوه من الدين.
والإمام يحيى بن معين من أبرز علماء الإسلام الذين خاضوا هذا المضمار، من خلال تصديه لنقد الرجال وبيان أحوالهم، وجمعه من العلماء الين بالمعرفة برجال الأثر مبلغاً كبيراً لا مثيل لأحد له فيه، وهذا ليس بكثير على رجل جال البلاد لأجل هذه الغاية بحثاً عن الحديث وفحصاً لرجاله، إذ كان اهتمامه بالحديث متوناً ورجالاً، كتابةً وحفظاً، حلّاً وترحالاً، ولعل من أهم أسباب نبوغه، العلمي قوة حافظته، فقد كان أعجوبة في الحفظ، مما جعله مقدماً عند أهل زمانه، وهذا الحفظ القوي الذي تميز به ابن معين وعرف به، إنما اكتسبه من شيوخه، الذين أخذ منهم وتأثر بهم، ومن شدة حفظه للحديث وضبطه للروايات، كان ابن معين إذا حدث بحديث مغلوط، شدد العبارة على الراوي المخطئ، وذلك من غيرته على السنة النبوية أن يدخل فيها ما ليس منها، كان يحيى كثير المذاكرة للحديث، يدل على ذلك شهادة من ذاكره بمعرفته، حديثه معرفة تامة يستدل بها على موضع مروياته متى شاء، قال علي بن المديني: كنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا في الشيء فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيخرجه ما كان أعرفه بموضع حديثه.
ومما لا شك فيه أن للبيئة والأسرة والعصر الذي عاش فيه أي عالم، مكانة مهمة في صقل شخصية ما، فكيف كانت بيئة الإمام يحيى بن معين والأسرة والرحلة التي بدأها في هذا العلم الجليل؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى