المقالات

الإمام يحيى بن معين … رائد علم الجرح والتعديل «3-5»


الإمام يحيى بن معين، هو والإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام، «158 هـ»، ولد بقرية قرب الأنبار العراقية، وكان والده من نبلاء الكتّاب، فكان كاتباً لعبد الله بن مالك، ثمّ ولي على خراج الري، نشأ ابن معين ببغداد، وكان في فترته علماء كبار منهم علي بن المديني، وأحمد بن جنبل، وإسحق ن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم، عكف الإمام يحيى بن معين على تدوين الحديث، وكان والده، قد ترك له ثروة هائلة أنفقها كلها في طلب الحديث، ومن المعروف عنه أنه كان حسن السيرة، عابداً زاهداً، محتاطاً جداً في الحكم على الرجال، كان ابن معين رحمه الله من أئمة الجرح والتعديل، وكان من عناية هؤلاء الأئمّة أن يجمعوا حصيلة بحثهم ودراستهم عن الرجال فيفردون للثقات كتباً كما يفردون للضعفاء كتباً أخرى، ولم تكن هذه الكتب تعني مجرد جمع الأخبار وتصنيفها، إنّما هي أحكام في غاية الدّقة والتمحيص الشديد والتحري الزائد، إذ كانوا يراقبون الله في كل لفظة أو إشارة مخالفة أن يجرحوا عدلاً أو يوثقوا مجروحاً، فإذا كان حال الراوي يتضح بوصف اكتفوا به ولم يضيفوا إليه آخر، وهذا هو الذي أدى إلى هذا الإختصار الشديد في تراجم الرجال بين الطبقة المتقدمة خاصة.
إذاً، ابن معين كان متخصصاً في حفظ الأسانيد ومعرفة الرجال، لا يكاد يقدم عليه أحد في ذلك، قال عمرو الناقد: «ما كان في أصحابنا أحفظ للأبواب من أحمد بن حنبل ولا سرد للحديث من ابن الشاذكوني ولا أعلم بالإسناد من يحيى ما قدر أحد يقلب عليه إسناداً قط»، فقد كان إمام المحدثين متعطشاً لنيل علم الحديث والاستزادة منه، فمع قوة الحافظة التي يملكها، كان كثير الكتابة حتى أصبح مضرب المثل في كثرة الكتابة، فقد كان يكتب كل شيء، فربما كتب الحديث الواحد أكثر من خمسين مرة، وهذا ساعده كثيراً على حفظ العلم، فهو يكتب جل علومه التي أخذها عن شيوخه ويكثر من تكرار كتابتها، حتى إذا نسي شيئاً منها أو شك رجع إلى كتبه متى شاء، فكانت علومه مكتوبة عنده ومحفوظة، وكان يحرص على كتابة كل حديث لا يعرفه، حتى يعرف صواب الراوي فيه من غلطه، قال يحيى بن معين: «صاحب الانتخاب يندم، وصاحب النسخ لا يندم»، وكثرة الكتابة أنتجت عنده يحيى ملكة وخبرة بأحاديث البلدان، ولذلك كان يصف بعضها بوصف دقيق، كوصفه كثرة انتشار الكذب في الحديث ببغداد، بقوله: «ما رأيت الكذب أنفق منه ببغداد»، وعلق الخطيب البغدادي على ما قاله بن معين: «إن: ما قال يحيى هذا القول تنبيهاً على أن البغداديين أرغب الناس في طلب الحديث وأشدهم حرصاً عليه وأكثرهم كتباً له، وليس يعيب طالب الحديث أن يكتب عن الضعفاء والمطعون فيهم، فإن الحفاظ ما زالوا يكتبون الروايات الضعيفة والأحاديث المقلوبة والأسانيد المركبة لينقروا عن واضعيها ويبينوا حال من أخطا فيها..».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى