المقالات

الإمام يحيى بن معين … رائد علم الجرح والتعديل «4-5»

ومما يوضح لنا كثرة كتابة الحديث عند يحيى ما ذكره أحمد بن عقبة وغيره حيث قال: سألت يحيى بن معين كم كتبت من الحديث يا أبا زكريا؟ قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث. قال أحمد: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف، لكن ومع الكم الهائل الذي كتبه ابن معين من الأحاديث إلا أنه لم يحدث إلا بالقليل، ومن أسباب نبوغه في الحديث، كثرة شيوخه في أخذه للحديث، فلا تقر عينه إلا بسماع الحديث من عدة شيوخ ولو كثروا، وهذا الأمر جعله مقدماً على غيره، في بيان الخطأ من الصواب في الحديث، بل وتحديد مكان الخطأ هل هو من شيخ ابن معين أو من شيخ شيخه، الأمر الذي جعل من هذه المنهجية مدرسة يتعرف بها المحدثون على أخطاء الشيوخ، وكثرة أخذه عن الشيوخ أفادته كثيراً في التمييز بين الرواة، ومعرفة المقدم منهم عند الاختلاف على الشيخ، وهذا أمر معلوم وظاهر في سيرة ابن معين، فقد كان صابراً في أخذه للحديث وصابراً أكثر على كتابته فكانت له الإمامة في ذلك والتميز والنبوغ.
من هنا، إن بن معين كان يملك من الحديث الكثير، وكان واسع العلم والاطلاع فيه، فقد كان مرجعاً في معرفة الأحاديث والرجال، حتى شهد له العلماء بأن الحديث الذي لا يعرفه يحيى فليس بحديث، وهذا النبوغ العلمي إنما جاء بعد سنين طويلة في حفظ الحديث وكتابته، والصبر على الشيوخ في الأخذ منهم، مع كثرة الإنفاق على العلم في الرحلات وغير ذلك، الأمر الذي كون عند ابن معين ملكة علمية قوية في نقد الأحاديث والرجال، وهذا العلم الواسع الذي وهبه االله لابن معين في الحديث، كان من أهم أسباب تحصيله أنه كان يفيد به أهله، فبارك االله له في ذلك العلم، قال جعفر بن عثمان الطيالسي: سمعت يحيى بن معين يقول: أول بركة الحديث إفادته، كل هذه العوامل تعود إلى شخصية إمام المحدثين الفذة فلا يقبل الضعف ولا الهوان، بل كان قوياً في تعامله مع من حوله، ولذلك كانت له مهابة عند شيوخه وطلابه، وكان لا يعجبه شخصية المحدث الضعيفة، بل كان يذم ذلك وينصح بالقوة في التحمل والأداء، وفي هذا الصدد قال: «ويل للمحدث إذا استضعفه أصحاب الحديث قلت: يعملون به ماذا؟ قال: إن كان كودنا سرقوا كتبه، وأفسدوا حديثه وحبسوه وهو حاقن حتى يأخذه الحصر فيقتلوه شر قتلة، وان كان ذكرا استضعفهم وكانوا بين مره ونهيه، قلت: وكيف يكون ذكرا؟ قال: يعرف ما يخرج من رأسه».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى