المقالات

عالم شديد التحيز

هذا العالم الذي أهملنا، لا يزال مستمرا في تجاهله لنا نحن الأناس البسطاء الذين لا يملكون غير الأحلام، نحن المأسورون بالمنطق الجمعي، نغير آراءنا فقط لأنها مقبولة اجتماعيا، نقتني أشياء دون حاجة لأن الجميع يفعل ذلك، نفضل خيارات على أخرى أكثر إقناعا لأنها تضمن لنا القبول وتعفينا من الرفض، قراراتنا الحرّة المزعومة مجرد وهم، فكم بابًا مظلمًا فتح داخل عقولنا؟ وكم طعنة غدرٍ وجهها المنطق السليم لأفكارنا؟ حول أي شمس سندور ونحن على كوكبٍ شديد التحيز؟
في هذا السياق تم العثور على وثيقة مهمة وسرية للغاية سنة 1986 يعود تاريخها إلى مايو 1979 تحت عنوان: «الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة» وهي عبارة عن كتيب أو دليل للتحكم في البشر والسيطرة على المجتمعات تستخدم من قبل الإعلام الموجه لإحداث التأثير، اعتبرها الناقد والمفكر الأمريكي «نعوم تشومسكي» من أهم وأخطر الوثائق للسيطرة على الشعوب ومما جاء في الوثيقة: «حافظوا على تحويل انتباه الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية وألهوه بمسائل تافهة لا أهمية لها، أبقُوا الجمهور مشغولا، مشغولا، مشغولا دون أن يكون لديه أي وقت للتفكير».
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم تلعب هذا الدور، فداخل كل إنسان تصنيف يوجهه لمن من المتوقع أن ينصاع لهم، وهم الأشخاص الذّين يراهم “متفوقين” عليه حتّى لو كان هذا التفوق ظاهري وغير حقيقي، وبالمقابل يستبعد من يعتبرهم “أدنى منه” من حيز تأثره. لذلك تستعين الشّركات بالمشاهير للترويج لمنتجاتها مستغلة شعور العامة بتفوق هذه الشخصيات عليها وتتبعها اختياراتهم.
مما كرس ذلك غياب الحس النقدي، وسيولة المعنى، حيث صار البشر متشابه تتلاشي فيه الفواصل، يمارس عليه نوع من الاستبداد الرقمي، وما يقوم به منتجو الملهيات هو للهروب من الواقع عبر بوابات الترفيه والتسطيح والابتذال.. هناك مراهنة دائماً على تسويق الخيال، والترويج لعالم افتراضي لا علاقة له بالعالم المعاش.. إنه فن صناعة الوهم، وإظهار البطولة الزائفة.
الحالة التي نعيشها تشبه تماما شخصيات مسرحية بيكيت « في انتظار غودو»، حيث يترجم أبطال مسرحيته، فلاديمير وستراجون وبوزو ولاكي، كصورة للاستلاب، فهم أشخاص عاديين جدا، يظهرون من العدم، بلا تاريخ سابق، بلا مهنة، بلا خلفية ثقافية معرفية، أيضا، بلا لغة فلسفية أو حتى حوارات عالية، الأكثر إثارة، أنه جعلهم بلا هم محدد معلوم، إنهم حتى لا يثيرون تساؤلا أو سؤالا، لا يدخلون في ورطة أو مشكلة، لا يصنعون ثورة ولا يطالبون بها، بل لا يبحثون عن أي معنى، ليسوا أبطالا ولا مبدعين ولا مطاردين، ولا حتى محبطين.
وفي نفس السياق تقول «نادية برادعي» ليست كل الأراضي صالحة للبناء، ولا يمكنك أن ترفع العمد دون أن تغرس الأساسات، فصناعة أرضية عقلانية نقدية تتفادى بها الاستلاب هو الخطوة الأولى لتشييد صروح التفكير المنطقي، العقل لا يمكن حمايته من الانحيازات بتعليق التمائم وإشعال أعواد البخور، ومعاملتها كأرواحٍ شريرة تحوم، يجب مواجهتها بالحجة والتحليل الناقد لجميع الخيارات، ورسم خطة للخروج من سجن الفكر الضيق إلى رحاب الاستنارة. 
لا تفقد جوهرك لتصبحَ نسخةً مكررةً كالجميع، ولا تتبع عربة الموسيقى الضالة، وتغفل لحنك الذاتي حتّى يخفت ويضيع، ولا تكن كمن يرددُ كالمنوم مغناطيسيًا قناعات من يملكون المنابر، ويسترق النظرَ من ثقب أبوابٍ لا يملك ثمن مفاتيحها. 
كن أنت المؤلف والمخرج، فهي حياتك وأنت من سيعيشها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى