المقالات

فوشيه الشارتري

فوشيه الشارتري من أهم المؤرخين الذين رافقوا الحملة الصليبية الأولى إلى بيت المقدس، فبالإضافة إليه كان هناك المؤرخ المجهول صاحب كتاب «أعمال الفرنجة» وريموند جيل صاحب كتاب «تاريخ الفرنجة الذين استولوا على بيت المقدس»
ومن يقرأ كتاب الشارتري « تاريخ الحملة إلى بيت المقدس 1095-1127» يدرك منذ الوهلة الأولى أنه شاهد عيان للكثير من الأحداث.
كان فوشيه دي شارتر واحداً من ضمن الكثيرين الذين لبوا دعوة البابا إيربان الثاني في المشاركة في الحملة، كيف لا وهو أحد رجال الكنيسة بل من صانعي الدعاية البابوية.
ينتمي فوشيه إلى شارتر من فرنسا، وبعدما استولى الصليبيون على بيت المقدس استقر في القدس، وعاش فيها من عام 1100م حتى عام 1127 وبعدها اختفى عن المشهد.
كان قريباً من البلاط الملكي، ومن مراكز اتخاذ القرار، ويكفي القول أنه أصبح القس الخاص لبلدوين الأول حاكم الرها من عام 1097 وحتى 1100 وأيضاً حينما أصبح بلدوين أول ملك صليبي لبيت المقدس من عام 1100 إلى 1118م واستقر في القدس حتى عام 1127 ثم بعدها يختفي عن المشهد.
وقد تحدث في كتابه المذكور بأدق التفاصيل عن مجمع كليرمونت وخطبة البابا إيربان الثاني وتأسيس بلدوين لإمارة الرها عام 1098. ورغم أن أكثر من مؤرخ أكد تواجد فوشيه في مجمع كليرمونت عندما ألقى البابا خطبته الشهيرة تلك إلا أن فوشيه نفسه لم يؤكد هذه الحقيقة، وبالتالي لا يمكن الجزم بذلك.
وغطى كتابه فترة حكم الملك بلدوين الأول لبيت المقدس من عام 1100 إلى 1118م ثم فترة الملك بلدوين الثاني حتى 1127م.
وكتابه يعتبر هو المؤرخ الوحيد الذي كتبه مستوطن فرنجي يغطي كل البدايات التي أعقبت الحملة الأولى، وما يميزه عن غيره أنه كان شاهد عيان لتلك الفترة المهمة، ولذلك فهو أي هذا الكتاب أهم حتى من كتاب المؤرخ الصليبي وليم الصوري الذي عاش في القرن الثاني عشر 1167-1184م.
وككل المؤرخين الصليبيين الذين عاشوا تلك الفترة ينضح كتاب الشارتري بالتعصب المقيت، والعنصرية والتباهي بالفظائع التي ارتكبها «جنود الرب»!.
وأيضاً ككل كتابات مؤرخي الحروب الصليبية حفل كتابه بالقديسين الذين يحاربون إلى جانب «جيش الرب» والحديث عن المعجزات والأحلام المقدسة والنبوءات ويروج كثيراً لفكرة الحرب المقدسة، ويبدي سروره وفرحه لوحشية جنود الرب ضد المسلمين، ويرجع كل خسارة في المعركة لذنوب الجنود وليس لما يحدث في المعركة وعلى أرض الواقع، وفي حالة الانتصار لرضا الرب! ولمعجزاته كما يصف الجنود القادمين من الغرب باسم «الحجاج» وإذا وقع تغير في الأحداث على غير ما كان يأمل وصفه بأنه تغير إلهي.
ورغم كل هذا يمكن القول أن المؤرخين اللاتين وبعد احتكاكهم بالعرب والمسلمين إبان الحروب الصليبية، تغيرت نظرتهم للتاريخ وابتعدوا في كتاباتهم عن الأساطير وصراع الآلهة، وتركوا السماء وما يحدث فيها، ونزلوا إلى الأرض والزمان والمكان، وما يجري فيها من معارك وحروب طاحنة رغم استمرار تصورهم بارتباط كل عمل يحدث بالعلاقة مع الرب وذلك لارتباطهم بالكنيسة وبالتالي كانت أعمالهم ما زالت متأثرة بذلك كون غالبيتهم رجال دين.
•المصدر: قاسم عبده، مقدمة كتابه «فوشيه الشارتري: تاريخ الحملة إلى بيت المقدس 1095-1127م».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى