منوعات

عندما تسقط « الواسطة « حكومة!

كلمة «الواسطة» تقريبا هي أحد أهم الكلمات وأولها التي يتعلمها الوافد أو حتى الأجنبي الذي لا يتحدث العربية لدى زيارته للكويت، وربما كان لذلك مغزى كبير، نناقش جانبا منه هنا. الكلمة بسيطة، ولكن لها الكثير من الدلالات الخاصة التي تحيلنا بالضرورة لشكل الدولة وتكوينها الاجتماعي والسياسي. في جوهرها، تعني الواسطة تدخل شخص ذو نفوذ وحظوة لمساعدة شخص لديه حاجة ما، وفي الغالب تكون هذه الحاجة إما غير قانونية أو صعب تحقيقها، وهنا يتم اللجوء لهذه الواسطة من أجل «تليين» بعض الأمور.
تاريخيا، وبسبب تشابك العلاقات بين الحكومة والنواب، نشأت حاجة الحكومة لنواب «متوافقين» معها، ولكن هذا التوافق له ثمن بالطبع: كل خدمات الناخبين في هذه الدائرة أو تلك لها طريق سهل إذا مرت من خلال هذا النائب. ومع مرور الزمن تفاقمت مسألة الواسطة، فلم يمارسها النائب فقط، بل مارسها كل من تقلد منصبا حكوميا رفيعا وكان لديه الطموح في الترشح لمجلس الأمة مستقبلا، بل مارسها حتى هؤلاء الذين يملكون الطموح دون أن يكون لديهم هذا المنصب الرفيع من خلال شبكاتهم العائلية والقبلية والطائفية. وهكذا وبهدوء شديد تسللت الواسطة لكل مرافق الدولة فاعتادها المواطن العادي ولم يشعر بأي حرج في ممارستها علنا. ولكن النتائج والعواقب كانت وخيمة جدا، فتفاقم بلاء الواسطة أقنع المواطن العادي بعدم جدوى الدولة وعدم جدوى النظام القانوني بوجه عام، وكيف لا؟ أليست ممارسة الحكومة والمجلس لها علنا هي الدليل على صحتها؟
استبشرنا خيرا وبعد عناء سنوات طويلة بقيادة سياسية توصد هذا الباب – باب الواسطة – أمام النواب وأمام من لا يستحق أي ميزة ومنفعة حكومية دون مسوغ قانوني أو وجه حق. وكيف لا نستبشر خيرا بقيادة سياسية تريد أن تعيد هيبة الدولة وسلطانها القانوني التنظيمي؟ ولكن لكل شيء ثمن! هناك من النواب من اقتات كثيرا على هذه الواسطة لضمان بقائه في البرلمان وضمان استمرار مصالحه، وهؤلاء تحديدا من يزعجهم استعادة الدولة لمكانتها، وهم هؤلاء أنفسهم الذين أخذوا مواقعهم متأهبين لتسديد ضرباتهم المتلاحقة للحكومة بهدف تعطيل عملها وجهدها– على حد تعبير أحد النواب هذا الأسبوع: «ستصعدون المنصة رئيسا للحكومة ووزراء واحدا تلو الآخر.»
التحدي كبير، وواقعي، بل وخطير، استمرار الحكومة في عملها دون إجهاد وارهاق الاستجوابات يستلزم «إرضاء» هؤلاء النواب، فهل تتخلى الحكومة عن وعودها؟ أم ستستمر في تحديها لنواب «الواسطات» و «الخدمات»؟ الحقيقة هي أن عدم إرضاء هؤلاء النواب قد يحولهم لمعارضة بين ليلة وضحاها، وهو الأمر الذي سيفتح المجال لشذاذ الآفاق والمطرودين من المسرح السياسي للعودة تحت غطاء جديد؟ فهل الحكومة مستعدة لتلك المواجهة أمام فريق المعارضة القديم-الجديد؟ هل الحكومة مستعدة لأن تكون هي السبب في إفشال عملها بيدها، مع أن ثمن نجاحها بسيط جدا، ويكمن في إرضاء البعض بالفتات من الخدمات؟ هل ستضحي الحكومة بهذا الدعم الشعبي الكبير الذي حصلت عليه بعد خضوعها للمعارضة الوهمية؟ هل هناك مخرج من هذا المأزق؟ هذا ما سنناقشه في مقالات مستقبلية لضيق المجال هنا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى