المقالات

ملامح السيرة النبوية من مصدرها الأم «3-3»

بالتالي، ينبغي أن نعلم أنه لا يُكتفى بالقرآن الكريم إن أردنا التعمق إلى عمق التفاصيل، لأن كثيراً من التفصيلات لابد من الرجوع فيها إلى كتب الحديث النبوي وإلى كتب السيرة، ليتبين المراد منها، وهذا ما يبين الجهود التي يجب ان يتمتع بها كتّاب السيرة إن أرادوا صناعة عملاً يحفظه التاريخ.
ومن الجدير القول إنه لأمر مزعج أن نجد عشرات ومئات وربما آلاف الكتب والرسائل والأبحاث وغيرها لكتّاب يقولون إن أصحابها من حملة الإجازات الجامعية والتعليم العالي والشهادات العليا، تجد أن كتابتهم رغم أننا في القرن الواحد والعشرين، يكتبون بأسلوب القرون الأولى، القصد بطريقة تقليدية جداً لا تتناسب مع المجتمع ولغة العصر، مع الإشارة إلى أن العودة إلى الكتب الأولى مهمة لكن بوحي العصر وتلخيص يواكب العصر، فالسيرة النبوية تحتاج إلى طرح، لا للأسلوب التقليدي، ربما يكون مناسباً للجنة محكمة أو كتاب دراسي لكن ليس للعامة.
وفي الخمسينات وستينيات القرن الماضي، برز لون جديد لم تألفه الناس من قبل كأسلوب عميد الأدب العربي طه حسين، وعباس محمود العقاد، وخالد محمد خالد، ومحمد حسني هيكل وتوفيق الحكيم مع حفظ الألقاب، فقد كتبوا السيرة النبوية بأسلوب روائي وقصصي وأدبي، وهذا جيد، ومطلوب، لكنهم افتقروا إلى خبرة التحقيق والتيقن من صحة الروايات فلذلك اختلط الحابل بالنابل بين مدرستين، المدرسة التقليدية السلفية، التي لا تتناسب مع عوام الناس، والمدرسة الأدبية البحتة التي لها وعليها، فالجميل من أي كاتب أن يتثبت من المادة العلمية بالرجوع إلى أصحاب الاختصاص، على سبيل المثال، لدينا السيرة النبوية بالأسلوب التقليدي بحسب القرون الأولى الهجرية، يجب ان يتم عرضها على لجنة مثل لجنة الأزهر الشريف أو جامعة الزيتونة وغيرهما، يؤكدون صحة الروايات بأسانيدها ومتنها ومن ثم يتم البناء عليها أدبياً تواكب تطور الزمان والمكان، لأنه عندما تتم ترجمتها إلى أي لغةٍ أخرى يصل المقصود بشكل سلس وبسيط، فالقرآن الكريم هو المصدر الأم والسنة النبوية المصدر الثاني وما صح عن أخبار النبي بشروط أهل العلم من أهل الحديث والجرح والتعديل، وأخبار النبي المتواترة الصحيحة بشروط أهل العلم.
بالتالي، لكل من يريد ان يكتب في السيرة النبوية أن يتميز بأسلوب رصين ويبتعد عن الكتابة التقليدية التي هي ضياع للوقت، فنحن لسنا نكتب عن شخصية عادية، إن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إن لم تقدم بشكلها الصحيح فذاك أمر محفوف بالمخاطر، ووحده البارع من يستطيع الجمع بين المدرستين ليخرج عمله بفائدة يعم خيرها على الجميع بما في ذلك مسألة الترجمة إلى اللغات الأخرى إن كنا نريد ان نفخر بديننا وبنبينا ورسالتنا المحمدية.
لذلك، على المهتمين والباحثين والمتخصصين من كل أطياف العالم الإسلامي تعويض السيرة النبوية الشريفة، عن ذلك الإهمال الذي حدث في تراث أمتنا وتاريخها العريق، بأن يتم استخلاص السيرة النبوية من مصدرها الأم «القرآن الكريم».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى