المقالات

اهل الحديث 1 علم العلل وتميز البغداديين «2-2»

إن علم العلل، يعرف بالنظر والصنعة وبالتاريخ وبالتلقي، وتدرك فوائده حيناً بعد حين، إذاً هذا العلم هو علمٌ برأسه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل، ويعلل الحديث من أوجه، ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقطٌ واه، وعلل الحديث تكثر في أحاديث الثقات، بأن يحدثوا بحديثٍ له علةٌ، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديثُ معلولاً. والعلة كما عرفها العلماء سببٌ خفيٌّ يقدح في صحة الحديث، فيصبح الحديث معلولاً بعد أن كان ظاهره السلامة، يقول ابن مهدي: لأن أعرف علةَ حديثٍ أحبّ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثاً.
من هنا إن الأصل في أحاديث الثقات، الإحتجاج بها والإلتزام بقبولها، ليكون مجال علم العلل أوسع من مجال الجرح والتعديل، ومما يدل على سعة هذا العلم أن معظم علوم الحديث تدخل فيه، إنما بزوغ هذا العلم جاء نتيجة للضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق، ولا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وآله سلم، وما وراء ذلك يصيب ويخطئ، ويتذكر وينسى، على ما بينهم من تفاوت في ذلك، إلى جانب، ما يتصف به بعض الرواة من خفة الضبط، وكثرة الوهم، مع بقاء عدالتهم.
فضلاً عن الاختلاط، وخفة الضبط لأسباب عارضة، وغير ذلك.

الكشف عن العلل
للكشف عن العلل يجب إتباع الطريقة التي إنتهجها العلماء والبدء في معرفة مدارسهم ونشأتها ورجالها ومذاهبها ومدى تأثيرها وما تركته من أثر، والبحث في الإسناد والأسانيد صحيحيها وضعيفها، إلى جانب معرفة أبواب الحديث. لأن العلة أحياناً تكون في الإسناد، وأحياناً تكون في المتن.
فإذا وقعت العلة في الإسناد: فإما أن تقدح في السند، أو فيه وفي المتن، أو لا تقدح مطلقاً، وهكذا إذا وقعت العلة في المتن فعلى هذا يكون للعلة خمسة أقسام: تقع العلة في الإسناد، ولا تقدح مطلقاً. وتقع في الإسناد، وتقدح فيه دون المتن، وتقع في الإسناد، وتقدح فيه وفي المتن معاً. وتقع في المتن، ولا تقدح فيه ولا في الإسناد، وتقع في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد.
من هنا، علم الحديث ليس عمليات حسابية، فلا يكفي «التقريب» وحده للحكم على الأحاديث، دون النظر في شروط أخرى، أهمها علم العلل، يقول الحافظ بن حجر: «هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهماً غائصاً، وإطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن، وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك»، وهذا ما أفردنا بعضاً منه أعلاه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى