المقالات

فن المتغيرات الدولية والإقليمية.. تركيا إنموذجاً «2-3»

من الصعب أن نحدد بدقة سر انعطافة التركي نحو دمشق، والإدلاء بمثل هذا البيان المحب للسلام، والذي يمكن اعتباره إيماءة مفتوحة لموسكو ودمشق، من الممكن أن يكون أردوغان مع ذلك قد استجاب للنداءات العاجلة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي للامتناع عن استخدام القوة العسكرية والتوغلات الجديدة في شمال سوريا وهذا أمر وارد، كما يمكن الافتراض أن هذه الخطوة مرتبطة ببدء الحملة الانتخابية في تركيا ومحاولة حل جزئي على الأقل لمشكلة 3.6 مليون لاجئ سوري في البلاد، أيضاً هذا أمر وارد.
لا أستبعد أن تعتبر هذه الخطوة أيضاً المرحلة التالية على طريق عودة حزب العدالة والتنمية الحاكم، برئاسة أردوغان، إلى المسار الذي أعلنه ممثلوه سابقاً نحو «صفر مشاكل مع» الجيران» إذ أنه حتى الآن، تمكنت أنقرة بالفعل من تطبيع علاقاتها مع دول عدة، واقتربت مصر والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى في الخليج العربي، وتسعى لتجنب النزاعات مع إيران والعراق.
لكن على خلفية الأزمة في الاقتصاد، ومستوى التضخم المرتفع «حوالي 65٪»، والانخفاض الساحق في قيمة الليرة التركية والوضع السياسي المحلي الصعب في البلاد، اتضح أنه من المهم للغاية بالنسبة للرئيس أردوغان أن يرفع ترتيبه عشية الانتخابات بسبب النجاحات على صعيد السياسة الخارجية، حيث لا يزال المسار السوري أحد المسارات الرئيسية لأنقرة في الشرق الأوسط.
لكن إلى أي مدى سيذهب الرئيس رجب طيب أردوغان في تطبيع العلاقات مع دمشق الرسمية ومدى سرعة القيام بذلك؟ من البيانات التوضيحية إلى الإجراءات العملية، غالباً ما تكون هناك مسافة كبيرة، هناك العديد من «المطبات» والعديد من العقبات الموضوعية والذاتية على طول الطريق، بينما لم يتم الإعلان عن مواعيد محددة لانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية.
في الواقع، لا تزال سوريا مقسمة إلى ثلاثة جيوب: المنطقة الرئيسية – التي تسيطر عليها دمشق وحلفاؤها الإيرانيون، والمناطق الشمالية التي تنتشر فيها فصائل المعارضة المسلحة والجماعات الإسلامية الراديكالية التي تحتلها تركيا، ومنطقة الحكم الذاتي الكردية «روج آفا» في الشمال – شرق البلاد بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.
يبدو أنه لن يكون من السهل على أردوغان إحداث تحول 180 درجة في العلاقات مع خصمه الإقليمي في شخص الأسد، أو الاعتراف بشرعية حكومته، فمن غير المرجح أن يرفض رجب طيب أردوغان دعم المعارضة السورية والجماعات الإسلامية الراديكالية، حتى في حالة الانسحاب الافتراضي للقوات التركية من محافظات شمال سوريا «إدلب، حلب، الحسكة، الرقة»، ستبقى هذه الأراضي تحت سيطرة السلطات الإقليمية والبلدية الموالية لتركيا، والتي تعتمد على قوات مسلحة بديلة، امن الشرطة وغيرها، إلى دمشق.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى