المقالات

في روعة البيان.. فيضٌ من الرحمن «1-3»

في كل كلمة ذُكرت في القرآن الكريم كان لها معنى ودلالة، الإشارة والحرف والفكرة والضمير كلها كان من وراءها حكمة، عجز أحد على الإتيان بمثلها، كلمات محكمة مصفوفة بعناية، حصلت على اهتمام كل العلماء وأئمة التفسير، قديماً وحديثاً.. موضوع مستفيض مهما كتبنا لا ننتهي، لكن قدر الإمكان نحاول الإضاءة على فكرة ودلالة من كلام الله تبارك وتعالى وسرد مقصد إلهي تناقلته الأجيال إلى قيام الساعة.
اصطفاء الكلمات في القرآن الكريم
كيف يصطفي ويختار القرآن الكريم الكلمات، بدقةٍ وعناية معجزة، على سبيل المثال، كلمة «وراء» هذه الكلمة التي وردت كثيراً ودارت في القرآن الكريم، فكيف كان استعمالها؟
لو أدرنا لغة العرب كلها على أن تضع موضعها غيرها أي لكمة (وراء)، لا يمكن لذلك أن يحصل، وذلك من وجهة نظر بلاغية، لا من وجهة نظر العقيدة، التي تحتم علينا عدم العبث في كلام الله المنزل.
من المعروف أن مفردة «وراء» هي ظرف من متعلقات الجملة، إما أن يكون ظرف زمان أو ظرف مكان، حيث وردت هذه الكلمة في الذكر الحكيم، 24 مرة، وعند مطالعة كتب اللغة وكتب الأئمة الأربعة في التفسير، نجد أن كلمة وراء قد تأتي بمعنى أمام، وبآياتٍ أخرى تأتي كلمة وراء بمعنى خلف، والسؤال البديهي الذي يأتي، إذا كانت كلمة وراء تعني أمام، فلماذا تم ذكر كلمة أمام في القرآن الكريم؟ وما حاجة القرآن لأن يأتي بلفظٍ هو بمعنى غيره؟ ولماذا لم يأتِ القرآن الكريم باللفظ نفسه؟
الجواب ببساطة عندما نقوم بدارسة هذا الأمر للبحث عن إجابات، دراسة متأنية ومتدبرة، نجد أنه من المستحيل، عقلاً وبلاغةً أن توجد كلمة أمام في مكان وراء، ولا أن توجد خلف في مكان وراء، ففي كتب اللغة، نجد أن اللغويين يقولون إن كلمة وراء هي من الأضداد، أي تفيد المعنى وضده، فهي تأتي بمعنى أمام، وتأتي بمعنى خلف، لكن حقيقة الأمر وفي القرآن الكريم تحديداً هي لا تدل على معنى الأمر وضده معاً، بل هناك قرائن، وأشياء في الآيات الكريمة، ترشد إلى أن كلمة وراء هنا معناها أمام، ووراء هنا، معناها خلف، لكن لا يمكن أن تُستخدم اللفظة بالمعنيين معاً.
وفي تفسير معنى وراء، فهي من الاستتار، «واريت الشيء وراءه أي أخفيته»، وهذا هو مفتاح النظر والتأمل، بالتالي، إن وردت كلمة وراء بمعنى أمام، في القرآن الكريم، فهذا يعني أنه يُراد بها الأمام المستور عنك، وحينما تأتي بمعنى خلف، فالمراد الخلف المستور عنك، بالتالي، معنى الاستتار لا يغادر هذه المفردة إطلاقاً، بالتالي هي تحدد الجهة، إنما المستورة فقط، أما كلمة أمام، فتحدد شيئاً منظوراً، ومثلها مفردة خلف، وهناك فرق بين الأمام المنظور، والأمام المستور، وكذلك بين الخلف المنظور والخلف المستور، بالتالي، حيثما وردت كلمة وراء، بمعنى أمام، فيكون معناها، الأمام المستور، وبناءً عليه، لا يصلح أن نقول إن وراء هنا بمعنى أمام إلا إذا قلنا إنه أمام مستور عنك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى