المقالات

في روعة البيان.. فيضٌ من الرحمن «2-3»

إن قلت لك، اجلس أمامي، فإني أراك، وإن قلت وراءك خطر فاحذر، أي أمامك خطر فاحذر، والمعنى واضح، واللغة التحذيرية واضحة، وهذا فرق قوي في دقة الاستخدامات.
من هذا المدخل العام، سنقف عند بعض الآيات لنرى بلاغة الذكر الحكيم، ولنتأمل في مفردة واحدة فقط، فما بالكم جميع المفردات الواردة في القرآن الكريم، يقول الحق تبارك وتعالى: «من ورائه جهنم ويُسقى من ماءٍ صديد»، الشائع كما ذكرنا أعلاه أن كلمة وراء عند جموع الناس الكثيرة هي بمعنى خلف، وهذا غير صحيح، لأن القيامة لم تقم بعد، ولأنه لم يحدث عذاب بعد، فالله تبارك وتعالى، يحذر من أمامٍ مستورٍ عنّا، لأن ما من أحد منا يعرف متى تقوم القيامة، بالتالي هنا الخالق عز وجل، يحذرنا من شيءٍ للمستقبل، من شيءٍ مستورٍ عنا، لكنه بالترتيب الزمني يكون أمامنا، ففي كتب التفسير نجد معنى «من ورائه جهنم» تعني، أمام، لكن لو تم ذكر «من أمامه جهنم» لكان فسد المعنى، لأن الأمام في اللغة العربية تُقال عن الشيء المنظور.
في تفسير الإمام الطبري، «من ورائه»، من أمام كل جَبار «جهنم»، يَرِدُونها، يعني: «وراء بني رياح»، قدَّام بني رياح وأمَامهم.
وفي تفسير الجلالين، معنى وتأويل «من ورائه» أي أمامه «جهنم» يدخلها «ويسقى» فيها «من ماء صديد» هو ما يسل من جوف أهل النار مختلطا بالقيح والدم.
أما في تفسير الإمام الرازي، «ومن ورائه جهنم»، أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم.

وفي تفسير ابن عاشور، فهي تعني خاب الجبار العنيد في الدنيا، ووراءه عقاب جهنم.
والآية الكريمة: «ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون»، هنا الخالق تبارك وتعالى، يحذر الأحياء، والبرزخ هو الحياة التي تكون بين الدنيا والآخرة، في القبر، فالحديث الموجه هو لمن هم ليسوا في البرزخ، وليس البرزخ أمامهم، ولكن الله تبارك وتعالى، عبّر عن ذلك بكلمة «ورائه» التي لا يصلح سواها مكانها، فهي تعبر عن ترتيب حدثٍ في المستقبل وليس في الحاضر أو الماضي، كما تفيد في التحذير وهي الأشد والأولى في التحذير، لذلك نجد أن كل هذا يأتي في القرآن الكريم في مقامات التهديد والوعيد، ومن المعروف أن أي تهديد يأتي في سياق ما هو خفيّ عنك، لا بما هو ظاهر لك، وبناءً على ذلك، جاء المعنى في القرآن الكريم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى