المقالات

بصري المولد… عماني الفكر… مكي المرقد

احتضنت البصرة إبان ذروتها الثقافية والأدبية قامات علمية عظيمة كان لها الأثر الزاهر في رفد العالم بحملة العلم ورجالاته، خصوصًا بعد أن تفشى الجور في بعض الإمارات المسلمة ورأى أهل العلم والخشية ضرورة إرسال حملة العلم لكافة الأقطار ليكون همهم الأول وشغلهم الرئيس إنقاذ فطرة الله التي فطر الناس عليها.
من بين هؤلاء الذين حملوا العلم إلى عمان ربيب الإمام الحافظ الفقيه المحدث الربيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي العماني ،وقد تلقى العلم على يديه ويعد من أخص تلامذته، ويظهر ذلك جليًا في مروياته وآرائه التي احتضنتها كتب الفقه والسير والآثار، إنه الشيخ العلَّامَة الفقيه أبو سفيان محبوب بن الرُّحَيل المخزومي القرشي والذي ولد في بداية المئة الثانية للهجرة في البصرة، جاء إلى عمان مع شيخه الربيع، وقد استقر بصحار ثمَّ رجع إلى البصرة ومنها إلى مكة، وكانت له بمكة خيام تسمَّى مضارب محبوب وهي مورد الحجاج العمانيين في موسم الحج. وأما حملة العلم الذين سبقوه فهم: أبو المنذر بشير بن المنذر، ومحمد بن المعلى، ومنير بن النير، وموسى بن أبي جابر.
كان الشيخ مكثرًا في التأليف ولكن ذلك طوته محرقة المكتبة المعصومة بتيهرت بعد انهيار الدولة الرستمية على يد أهل الجور والظلم، وله روايات عن الإمام الربيع عددها 20 حديثًا ضمنها العلَّامَة أبو يعقوب الوارجلاني في الجزء الرابع من كتاب الترتيب، ومن أهم نتاجه العلمي كتاب السير، المعروف بـ «سير أبي سفيان في أخبار أهل الدعوة» يتضمن حديثا عن علمائه وأئمته الأوائل، بداية بمرداس بن حدير وحتى علماء العصر الذي عاش فيه، ويروى عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي قوله: «عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة، ولا سيما كتاب أبي سفيان» ومن المؤسف ان تكون هذه السير في عداد المفقودات إلا أنَّ كثيرًا من نصوصه مضمنة في بعض المصادر كالضياء وبيان الشرع وسير الشماخي ومؤلفات البرادي.
وله رسالة قيمة جدًا وجهها إلى حضرموت ومثلها إلى عمان، تلك الرسالة رد على هارون بن اليمان الذي يرى كفر المشبهة والمجسمة، وقد توافقت إرادة أهل عمان واليمن وجميع منتسبي مدرسته الفقهية الفكرية العقدية، أن لا يكفر المشبه، وفي ذلك نقطتان مهمتان :الأولى عدم جواز تكفير المسلم، والثانية أن هذه المدرسة هي رأس الاعتدال.
إن الشيخ مع كونه عالمًا فقيهًا هو الرائد في المنهج الروائي وهو منهج متأصل قديم، ويعد من أسبق المناهج في الفكر الإسلامي سواء المتعلق بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو المتعلق بنقل الأحداث التاريخية، بشمولها وأشخاصها وما فيها من أحداث بصورة شمولية.
لقد كان رحمه الله معينًا علميًا لا ينضب ويتجلى أثر ذلك فيمن أخذ عنه من العلماء، ومنهم ابنه محمد وأبو صفرة عبد الملك بن صفرة وأبو غانم بشر بن غانم الخراساني.
لقد توفي الشيخ رحمه الله سنة 207هـ في مكة مسقط رأس أجداده وجده سيف بن هبيرة أحد فرسان رسول الله -صَلَّى اللَّه عليهِ وسَلَّم-.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى